|
عمان الخامسة صباحاً:
نام الجميع، إلا حسين كامل الذي ظل ممدداً في فراشه وعيناه مفتوحتان
على عالم يبدو له غامضاً، وأسئلة كثيرة تتزاحم في ذهنه، تزيد من قلقه وتؤرقه
وتمنع نومه.
ماذا سيقول للملك حسين غداً؟ أي المواقف يجب عليه أن يتخذ؟ ترى هل الأردن
مستعد لحمايته؟ وإذا كان الأردن مستعداً، فهل هو قادر على حمايته وهو المطلع
على حجم قدرة العراق في التأثير على الأردن؟
فالأردن يأخذ احتياجاته النفطية من العراق، إما مجاناً أو بأسعار مخفضة
جداً، والاقتصاد الأردني يعتمد اعتماداً كلياً على سوق العراق، فالصناعة
الأردنية بنيت أصلاً وأنشئ أغلبها ليلبي احتياجات العراق.
وميناء العقبة يعمل للعراق، والشاحنات الأردنية تعمل مع العراق، فنادق
الأردن تعمل للعراق، العقارات ازدهرت في الأردن بسبب العراقيين.
هذا الارتباط العضوي والمهم بين العراق والأردن، هو ما أرق حسين ومنعه من
النوم، وجعله في حيرة من أمره (كما قال لي لاحقاً)، ولكنه كان يعوّل على علاقته
الجيدة مع الملك حسين (رحمه الله)، هذه العلاقة التي تكونت منذ أن كان الملك
حسين يأتي إلى العراق بزيارات متتالية، وبخاصة خلال سنوات الحرب العراقية
الإيرانية، والتي أصبحت قوية بفضل الإطراء والمديح الذي كان يقدمه الرئيس
صدام حسين بحق حسين كامل، فقد كان يعزي كل تطور في الصناعة الحربية إلى حسين
كامل، سواء كان هذا الموقف حقيقياً أم لا.
فقد صنعوا طائرة بلا طيار، فقال الرئيس صدام للملك حسين، إنها من انتاج حسين
كامل، تطوير صواريخ سكود، اعتبره الرئيس صدام من إنتاج حسين كامل، الزوارق
التي دخلت في حرب الأهوار، كان يقول أنها من إنتاج حسين كامل.
كما أن حسين كامل كان يعوّل على أمر آخر، وهو أن الكثير من الدعم الخاص الذي
كان يمر إلى الأردن، كان بإشراف حسين كامل، كما أنه كان يشرف على تفاصيل
زيارات الملك حسين عندما كان يأتي إلى بغداد.
فافترض حسين كامل، أن كل هذه الاعتبارات ستجعل الملك يغامر بمنحه الحماية،
رغم المخاطر الاقتصادية التي قد يتعرض لها جراء هكذا قرار.
عمان الثامنة صباحاً:
ما زال الجميع نياماً من جراء الرحلة الطويلة من بغداد إلى عمان،
إلا حسين كامل، الذي كان يعرف جيداً أن رحلته المضنية قد بدأت عند وصوله إلى
عمان، تناول سماعة الهاتف وطلب من عاملة الفندق أن تربطه بالديوان الملكي، لم
يكن في دفاتره أي رقم هاتف يمكنه من الاتصال مع جلالة الملك حسين مباشرة، ولا
أي رقم آخر يمكنه من الاتصال بالديوان الملكي، أمنت له عاملة المقسم الاتصال،
وتحدث مع رئيس الديوان الملكي آنذاك السيد مروان القاسم، الذي استفسر عن
وضعه، ثم قال له سأرسل لك سيارة لتحضرك إلى الديوان الملكي.
وبعد قرابة النصف ساعة، كان حسين كامل يجلس مع مروان القاسم في الديوان
الملكي، وبعد ترحيب يليق بمقام الفريق الأول، طرح مروان القاسم عدة أسئلة حول
الأسباب التي دفعت حسين كامل للخروج وحول العائلة، والمطلوب من الملك حسين،
لأنه على ما يبدو كان يريد أن يضع جلالة الملك حسين بأجواء المجيء المفاجىء
لحسين كامل إلى الأردن، وصرح حسين كامل عن رغبته بلقاء الملك حسين.
ولكن هذا اللقاء تأخر أكثر من أربع ساعات، فقد كان ذلك اليوم، هو يوم عطلة في
الأردن بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، كما كان يوم عطلة في بغداد
لسببين، أولهما ذكرى المولد النبوي الشريف، وثانيهما ذكرى إيقاف الحرب
العراقية الإيرانية، والتي كان يسميها النظام يوم الانتصار العظيم.
اللقاء الأول مع جلالة الملك حسين:
عندما التقى حسين كامل مع الملك حسين، اعتذر جلالة الملك عن التأخير
في مقابلته، لأنه كان يقوم ببعض الواجبات والزيارات المتعلقة بذكرى المولد
النبوي الشريف، ومعروف عن جلالته (رحمه الله)، لياقته الأدبية العالية،
وتعامله الجيد مع الجميع، وجلسا معاً تظللهما ذكريات طيبة من لقاءات سابقة،
واحترام كبير متبادل.
قال حسين كامل: جئنا إليك دخلاء.
ومعروف أن الدخيل عند العرب هو الذي يستجير بحاكم أو زعيم أو ملك أو شيخ
قبيلة، من ظلم من يعيش معهم، أو لخلافات بينهم، فيطلب الحماية حتى تتحسن
الأوضاع، أو تعود العلاقة إلى طبيعتها.
قال حسين كامل لجلالة الملك: سيدي أنت عمنا وأنت الهاشمي، ونحن أولاد عمومتك.
إن الرئيس صدام حسين لا يسمع النصائح ولم يتعلم من الأخطاء، وقد بلغ نفوذ
أولاده وأشقائه حداً لا يطاق، إن هذا النفوذ يصرف بطريقة همجية فظة، ويهددنا
جميعاً في النهاية، والرئيس ما عاد يستطيع أن يفرض هيمنته عليهم، وعدد له
تجاوزات عدي، وقصي، وتجاوزات وانتهاكات أشقاء الرئيس، وبخاصة سبعاوي ووطبان.
كان هذا الكلام يفاجئ الملك حسين، ويدهشه، وهنا ربما أراد حسين كامل أن يؤجج
دهشة الملك، أو أن يجعل لكلامه وقعاً أشد ثقلاً، فقال للملك:
رغم كل هذه الأحداث فإن الرئيس صدام حسين يريد أن يحتل الكويت ثانية.
(كان حسين كامل يقصد حادثة حدثت قبل سنتين، من ذلك التاريخ عندما حشد صدام
حسين قواته باتجاه الكويت، وكشفته أجهزة المراقبة في القوات الأمريكية،
وأرسلت له الولايات المتحدة الأمريكية رسالة عن طريق الدبلوماسية الروسية،
تهدده بأن قواته ستتعرض لضربات قوية إذا لم يسحبها، وقد ترتب على هذه الحادثة
اعتراف العراق رسمياً بدولة الكويت، كدولة مجاورة مستقلة، وليست المحافظة
التاسعة عشرة كما كان يردد النظام، وقد استغرب الكثيرون وقتها اعتراف العراق
المفاجئ بالكويت، هذا الاعتراف الذي لم يحدث حتى عند شروط وقف إطلاق النار في
حرب الخليج).
ولكن وللحقيقة، ففي الأيام التي خرج بها حسين كامل من العراق، لم تكن هناك أية
حشود عسكرية بغية إعادة احتلال الكويت.
ولكن وعلى ما يبدو لي، كان حسين كامل يريد أن يزيد من أسباب منطقية معارضته
لصدام حسين، ليكسب دعماً دولياً من الدول التي تتعرض مصالحها للضرر من احتلال
الكويت.
فصرح للملك: إن هناك خطة جاهزة ومبيتة لاحتلال الكويت وشرق السعودية، وإنها
قيد التنفيذ، وقد يقوم صدام حسين بتنفيذها في أي وقت.
حسين كامل الذي كان يقول هذا الكلام، والذي كان يريد أن يظهر نفسه معارضاً
لاحتلال الكويت، كان واحداً من أربعة أشخاص على علم بخطة الاحتلال الأول
للكويت، وواحد من الذين أشرفوا على تنفيذ هذه الخطة، وركناً مهماً من أركان
نجاح الاحتلال المؤقت.
ورغم أن الدهشة كانت قد تملكت الملك حسين حين انتهى حسين كامل من حديثه، إلا
أنه قال بهدوء:
الأمريكان مصرون على عدم رفع الحصار عن العراق ما دام الرئيس صدام حسين على
رأس السلطة، وأعتقد أن الله وهبك الحكمة في اتخاذك قرار معارضة النظام في
العراق، لتكون أنت الحاكم القادم للعراق، فأنت الشخص الذي يستطيع أن يجري
عملية التغيير بدون دماء، وأنا سأدعمك في كل المحافل الدولية.
وأنا حاولت كثيراً أن أنصح الرئيس صدام حسين أن ينسحب من الكويت بعد
احتلالها، ولم يسمع، وكما تعلم أنا لم أتكلم معه، أو أزور العراق منذ حرب
الخليج حتى الآن.
وإذا تسمح لي عليّ أن أجري بعض الاتصالات الهاتفية، فكما تعلم أن أوضاعنا في
الأردن تعتمد اعتماداً كلياً على العراق، ويخشى من رد فعل النظام العراقي في
قطع النفط أو ربما يقوم بمهاجمتنا.
لذلك فأنا مضطر للحديث مع الرئيس كلينتون هاتفياً، لإبلاغه بقدومك وبموقفك
الجديد، وأيضاً سأتكلم مع الأخ جلالة الملك فهد.
كما سأطلب من الإدارة الأمريكية أن تتحدث مع الأخوة في السعودية ليتعهدوا لنا
بتزويدنا بالنفط إذا ما قطع العراق عنا نفطه .
أصبح حسين كامل يتخيل بأنه رئيس العراق القادم، وأنه سيتخلص من عدي وقصي
وسبعاوي ووطبان، وكل أولئك الذين كان يعتقد حسين كامل بأنهم يحاولون أن
يعيقوا أعماله، أو يشهرون به، أو يريدون القضاء عليه.
وتناول الملك حسين التلفون، وكان الوقت ظهراً في عمان، وفجراً في واشنطن،
وطلب الرئيس كلينتون، وقيل له إنه نائم، وسألوه أن يؤجل مكالمته قليلاً إذا
لم يكن هناك شيئاً طارئاً، ولكن عندما أبلغهم جلالة الملك بأن هناك حدثاً
طارئاً، وأنه مصر على الحديث مع الرئيس كلينتون قالوا له، سنوقظه وسيطلبك.
وما هي إلا دقائق حتى اتصل الرئيس كلينتون بالملك حسين.
وبما أن حسين كامل لا يعرف من الانكليزية سوى كلمتي (Yes) و (No) فإنه لم يعرف ما
جرى خلال تلك المكالمة، إلا ما شرحه له جلالة الملك بعد انتهاء المكالمة، من
أن الرئيس كلينتون يبلغه تحياته ويتعهد بحمايته ومساندته، وأنه سيرسل مجموعة
من الخبراء وكبار الموظفين في البيت الأبيض وإدارة المخابرات الأمريكية
للاجتماع معه والتحدث إليه، وفي ضوء نتائج هذا الحديث سيقرر الخطوة اللاحقة.
ثم قام الملك حسين بإجراء اتصال آخر مع جلالة الملك فهد، عاهل المملكة
العربية السعودية، وقال له: عندي الفريق حسين كامل، صهر الرئيس العراقي صدام
حسين، وهو رجل العراق القوي، والمطلع على كل التفاصيل السرية، ومعه شقيقه
العقيد صدام كامل، مرافق الرئيس، وكذلك ابن عمه عز الدين، وقد خرجوا من
العراق لأنهم يعترضون على خطط جديدة وضعها الرئيس صدام حسين تتعلق بالوضع في
المنطقة.
وأنا أقترح عليك أن ترسل لي من تعتقد انه يجب أن يستمع للتفاصيل الحقيقية من
الفريق حسين كامل.
اتفق الملك فهد والملك حسين حسبما فهم حسين كامل على أن يقوم الأمير تركي
الفيصل، رئيس المخابرات السعودية، بزيارة عاجلة إلى عمان، ويجتمع مع حسين
كامل ويتحدث إليه.
الى قصر الهاشمية:
بعد هذه الاتصالات، قال الملك حسين لحسين كامل، سأخصص لك قصر الحمر
ليكون قصر إقامتك أنت وأهلك.
انتهى اللقاء، وعاد حسين كامل إلى الفندق ليجد شقيقه صدام وابن عمه عز الدين
بانتظاره على أحر من الجمر، ليعرفا ما هي الخطوة التالية.
قال لهم حسين، سنتحدث فيما بعد، علينا الآن أن ننتقل إلى قصر الحمر الملكي،
الذي خصصه الملك حسين لنا.
(وقد أخبرني صدام كامل فيما بعد، بأنه لم يتفاجأ بهذه الخطوة من الملك حسين،
لأنهم غالباً ما كانوا يتحدثون مع الملك حسين عندما يأتي إلى بغداد، على أنهم
من نسب واحد).
انتقل الجميع بسياراتهم، ورافقتهم سيارات من الديوان الملكي إلى قصر الحمر،
الذي يطل على تلة جميلة من تلال عمان، ويقع على بعد 15 كم عن مدينة عمان.
وفي الليالي الصافية، تتلألأ أمامك أضواء مدينة القدس الشريف عندما تقف على
شرفة هذا القصر، الذي يتسم بالبساطة والجمال، وقد دخلت هذا القصر عشرات
المرات، وكان انطباعي دائماً بأنه قصر متواضع ولكنه جميل، وقد عرف عن جميع
قصور الملك حسين وأشقائه وأفراد أسرته، أنها تتسم بالبساطة، فليس هناك فرق
كبير بينها وبين قصور المواطنين، التي بنيت في (عبدون) في سنوات الحصار على
العراق.
وصلت العائلات إلى قصر الحمر، وكان بانتظارهم مروان القاسم رئيس الديوان
الملكي، وربما لاحظ استهجان كريمتا الرئيس صدام، حيث أن هذا القصر أقل شأناً
من حيث الفخامة والتكلف من قصور صدام حسين، أو حتى قصور حاشيته، ومنهم حسين
كامل وصدام كامل، فهذا القصر يبدو بسيطاً جداً مقارنة بتلك القصور.
غداء مع الملك:
بعد قليل، حضر الملك حسين شخصياً إلى قصر الحمر، راغباً بتناول
الغداء مع العائلة، والاطمئنان على أوضاعهم، وسلم على جميع أفراد الأسر
الثلاثة، وتناولوا الغداء جميعاً، وقال جلالته لهم: نحن أفراد أسرة واحدة،
هذا بيتكم، ونحن أهلكم، ومستعدون لتنفيذ جميع رغباتكم ومطالبكم،
واحتياجاتكم وما تريدونه.
كان وقع الكلام على حسين كامل وشقيقه وابن عمه لطيفاً ومرضياً، إلا أن الكلام
ذاته كان له وقع غامض على كريمتي الرئيس رنا ورغد، اللتين لم تفهما ما يقصده
الملك.
فالرحلة كما كانتا تظنان إلى بلغاريا، والإقامة في الأردن مؤقتة، وقد
أبلغهما حسين كامل أن جلالة الملك رفض أن تبقى العائلات في الفندق، وقد خصص
لهم قصر الحمر الملكي لإقامة مؤقتة.
كلام الملك هذا خلق توجسات لدى كريمتي الرئيس، وراحت نظراتهما تستفهم عن
حقيقة الأمر.
وروى لي صدام كامل، أنه خشي في هذا الموقف أن تطرح زوجته أو زوجة أخيه سؤالاً
ما بحضرة الملك يؤدي إلى الانفجار.
فحقيقة الأمر، لقد كانت كريمتي الرئيس رهينتين لأنهما لم يعرفا بأمر الخروج
النهائي من العراق، ولم يؤخذ رأيهما في الموضوع، وقد تعرضتا لخديعة السفر إلى
بلغاريا، ولا شك فإن هذا لن يقبل به الملك حسين ولا غيره.
ولكن بما أن كريمتي الرئيس احترمتا حضرة جلالة الملك، ولم تطرحا الأسئلة، فقد
مرت بسلام، ولكنه لن يدوم طويلاً كما سنعرف فيما بعد.
انتهى الغداء، واتفق الملك حسين مع حسين كامل على اللقاء مساءً، وغادرهم.
وزعت أجنحة القصر على أفراد العائلة الذين امتلأت رؤوسهم بالأسئلة والهواجس
وخصوصاً كريمتي الرئيس.
|