Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

القصة الكاملة لخروج حسين كامل وشقيقه صدام كما يرويها مشعان الجبوري صاحب صحيفة الاتجاه الاخر

 

القصة الكاملة لخروج حسين كامل وشقيقه صدام كما يرويها مشعان الجبوري صاحب صحيفة الاتجاه الاخر

 

الحلقة الثالثة

 

علاقـــة حسين كامل بالملك حســـــــين، كانت مرتكزاً أساسياً لقبوله في الأردن وحمايته
أولى الاتصـــــالات مع الرئيـــــس كلينتـــون والمــــلك فهد، قام بها الملك حسين

ملخص ما نشر
بتاريخ 7/8/1995 في مزرعة على مقربة من مدينة بغداد..
اجتمع الرجال الثلاثة الفريق حسين كامل وأخيه العقيد صدام كامل وصهرهما الرائد عز الدين محمد وبعد نقاش طويل شرح فيه الفريق حسين سلوك عدي (ابن الرئيس) الاستفزازي وشرح اعتراضاته على هذا السلوك.. وكيف أن الرئيس صدام استبعده من القيادة القطرية وأوفده إلى موسكو وعقد المؤتمر القطري أثناء غيابه ليفوت عليه فرصة ترشيح نفسه.
وكيف أن عدي انتقده بشكل علني في جريدة بابل التي يملكها..
واستطاع في نهاية النقاش اقناع أخيه وصهره بفكرة الخروج إلى الأردن وتم وضع خطة محكمة للمغادرة استندت إلى:
أولاً: استغلال أن اليوم التالي لمغادرتهم هو يوم عطلة رسمية في العراق.. وقد اعتاد كل من أفراد مؤسسة الحكم في العراق أن يقضي مثل هذه المناسبات مع أفراد أسرته وبذلك لن يستغرب أحد غيابهم.
ثانياً: أن ترسل سيارات بتوجيه من العقيد صدام كامل على طول الطريق بين الرمادى والحدود الأردنية وذلك لتأمين حماية الطريق وبمثابة علامات دالة.
ثالثاً: أن يقوم عز الدين بإرسال سيارة صالون مغلقة من التي تستعمل في الرحلات العائلية وأن تصل هذه السيارة قبلهم إلى الحدود العراقية الأردنية على أن تتوقف قبل الحدود بعدة كيلومترات وقام عز الدين بإرسال هذه السيارة التي كانت هدية من الرئيس صدام حسين.
وأخيراً: يذهب كل منهم مع زوجته وأولاده بسيارته الخاصة ويأخذ معه ما خف وزنه وغلا ثمنه.
وانفض الاجتماع وانصرف كل على حدة.. وتم الاتفاق أن يكون لقاءهم القادم في الكيلو متر 160 بعد مدينة الرمادى باتجاه الحدود الأردنية.
أصدر العقيد صدام كامل أمراً لعدد من السيارات لتنتشر على الطريق من بغداد إلى الحدود الأردنية.. كما أرسل عز الدين سيارة صالون إلى الحدود الأردنية. وكلف أخيه الأصغر إبراهيم باستلام هذه السيارة عندما تصل إلى المكان المناسب. وكل بتوقيته.. غادرت بغداد عشر سيارات.. احتوت الفريق حسين كامل مع عائلته والعقيد صدام كامل مع عائلته.. والرائد عز الدين مع عائلته.. ولكن هذه السيارات لم تشكل موكباً واحداً.. فمن باب الاحتراز ولعدم إثارة الانتباه تقرر أن تغادر السيارات كل على حدة.. وكما كان الاتفاق فإنهم سيلتقون جميعاً في الكيلومتر 160 بعد مدينة الرمادي باتجاه الحدود الأردنية.
وصل الجميع قرب الحدود الأردنية وقبل حوالي ثلاثة كيلو مترات كانت هناك وفي محطة للوقود سيارة الصالون التي أرسلها عز الدين وأشرف على وصولها شقيقه إبراهيم بانتظارهم هناك.
في محطة الوقود وعلى جانب الطريق طلب حسين كامل من الجميع أطفالاً ونساء الانتقال إلى السيارة الصالون المغلقة. ذات النوافذ المعتمة التي لا تسمح لمن في الخارج برؤية ما بداخل السيارة. وطلبوا من إبراهيم سائقها أن يظل واقفاً منتظراً أن يدعوه للمسير فقد كان حسين كامل يريد إخراج بنات الرئيس من الحدود العراقية دون أن يعلم أحد بذلك..
بعد قليل حيث الوقت ليلا كانوا جميعاً على نقطة الحدود العراقية. هرع المدير إليهم يريد تقديم كل ما باستطاعته.. فقد كان يعرف جيداً من هو حسين كامل وما مدى ثقله ومن هم صدام كامل وعز الدين.. وكان يظن أن أي تقصير سيحاسب عليه حساباً عسيراً ولم يخطر بباله قط أن يحاسب فيما بعد على خدمة التسهيل التي قدمها بإخلاص للشخصيات الكبيرة التي كان يهابها الجميع.
طلبوا من مدير الحدود أن يسمح للموكب بالخروج دون المرور على مكاتب الهجرة..
ولم يكتف حسين كامل بذلك بل طلب من مدير الحدود العراقي أن يذهب إلى نقطة الحدود الأردنية ليبلغهم بأن هناك وفداً مهماً على مستوى عال سيدخل الأردن وأن يطلب من الأردنيين أن لا يوقفوا هذا الوفد..
وهكذا غادرت بنات الرئيس وأحفاده دون أن يعرف أحد بذلك لا في الحدود الأردنية ولا في الحدود العراقية.
حيث ذهبوا إلى فندق عمرة بواسطة سائق سيارة أجرة وعندها طلب حسين كامل من الجميع أن يخلدوا إلى الراحة.. وقال لهم بأنه سيرتب الاتصال مع المسؤولين الأردنيين لمعرفة ماذا سيفعلون..

اتصــالات مكثفـــــة

تلفونات في الصباح، وتلفونات عند الظهيرة، وفي المساء وبعد أن يخيم الليل، رنين جرس الهاتف يقتحمني وأنا على طاولة الطعام، ورنين آخر يقطع سيل أفكاري، ورنين يلحّ ويوقظني من إغفاءة قصيرة.
أي لعنة أحمل في جيبي؟!
كان صدام كامل يتصل خلال النهار، أما (حسين) فقد كانت أغلب اتصالاته في وقت متأخر من الليل، كان يتابع تفاصيل الأشياء، ويتابع نتائج نشاطي في لندن أول بأول.
ـ طلب مني أن ألتقي الشخصية العراقية الوطنية، وزير الدولة للشؤون الخارجية والإعلام في العراق سابقاً، الاستاذ حامد الجبوري، لأستطلع إمكانية أن يتصل به حسين كامل، ولأنقل له تمني حسين كامل بلقائه، وكان بينهما فيما مضى علاقة خاصة ومعرفة شخصية، لأنهما كانا معاً في قيادة الدولة عندما كانا في العراق.
وكان الفريق حسين كامل يحاول عدم إجراء أي اتصال هاتفي بأي شخص قبل معرفة رأي هذا الشخص به.
اجتمعت بالأخ الكبير الأستاذ حامد، وتحدثنا سوية وعبر هاتفي مع الفريق حسين كامل، وتبادلا أرقام الهواتف، وتبع ذلك أن تمت اتصالات مباشرة ودائمة بينهما، كما طلب مني الاتصال باللواء عبد الأمير عيسى الصباح، وهو شخصية عسكرية عراقية، انحازت إلى الانتفاضة في العام 1991، في أعقاب حرب الخليج، وتم الاتصال بينهما عن طريقي، والتقيت السيد الصباح وكان صريحاً جداً، وكان اللواء عبد الأمير أيضاً على معرفة شخصية بالفريق حسين كامل.
كما اتصلت بناءً على طلب حسين كامل، بالعديد من الشخصيات وممثلي والأحزاب العراقية، أذكر منهم الحزب الإسلامي العراقي، حيث زارني الأخ والصديق (السامرائي) عضو قيادة الحزب آنذاك، وأمينه العام حالياً، وكان موقفهم في الحزب إيجابياً من موضوع حسين كامل، وأمنّا اتصالاً بين الفريق حسين كامل والدكتور أسامة التكريتي، الأمين العام للحزب آنذاك، والتكريتي ينتمي لعشيرة البو ناصر، التي ينتمي إليها حسين كامل.
ولكن من المستغرب أن حسين كامل كان يطلب مني الاتصال بشخصيات عراقية مقيمة في لندن، وكانت أسماء هذه الشخصيات غريبة وغير معروفة بالنسبة لي، وبالنسبة للسيد (صلاح عمر العلي)، الذي كان حاضراً في عدد من اتصالاتي مع حسين كامل، أو مع أي جهة أخرى لذات الشأن.
وأذكر أن أحد الذين كلفني بالاتصال معه، كان اسمه الجنابي، وقد شدد على الاهتمام به والتعاون معه، لتوسيع دائرة الاتصالات مع المعارضة العراقية، بصفته شخصية سياسية مهمة، من شخصيات المعارضة العراقية.
والحقيقة لم أكن قد سمعت بهذا الاسم من قبل، كما أن السيد صلاح عمر العلي بدوره لم يعرفه، وهذا ما شجعني على عدم الاتصال به.
وبينما كنت أتابع مجريات الأمور مع الفريق كامل، وفي أحد الاتصالات، سألني: هل اتصلت مع السيد نبيل الجناني أم لا؟
وعندما أخبرته بأنني لا أعرفه ولا وزن له في ساحة العمل السياسي المعارض، غضب جداً وتكلم معي وكأنه على كرسي السلطة، ويأمر أحد العاملين معه أو أحد معاونيه.
طبعاً سأعود لاحقاً للحديث عن هذه الخصلة في حسين كامل، كما سأعود للحديث عن نبيل الجنابي الذي يستحق أن يؤلف عنه كتاباً لأنه يعبر عن الوضع الكارثي للمعارضة العراقية التي يتسلل إليها الطارئون والأفاقون.

خرج خلافاً للتوقعات.. وعاد خلافاً للتوقعات
وقتل كما كان متوقعاً


بغداد 7/8/1995
اهتزت مؤسسة الحكم من هول المفاجأة. وأفسد النبأ السيء بهجة الاحتفال الذي كان يقيمه الرئيس صدام حسين بمناسبة ذكرى إيقاف الحرب مع إيران والذي كان يعتبره يوم انتصار عظيم.
ما هو النبأ؟ الفريق الأول حسين كامل وشقيقه العقيد صدام كامل وزوجتاهما كريمتا الرئيس صدام حسين وابن عمهما عز الدين محمد وزوجته وكامل أفراد عائلاتهم وصلوا الأردن وطلبوا اللجوء السياسي هناك.
أقام النبأ الدنيا ولم يقعدها وبدأت وسائل الإعلام تعطي الموضوع الأولوية وأخذت الصحافة تنشر سيناريوهات وتوقعات وتكهنات. وراحت وكالات الأنباء تتناقل تعليقات كبار زعماء العالم وزعماء العرب حول هذا الخروج غير المتوقع لرجل العراق القوي وصاحب النفوذ الاستثنائي، وأهم أعمدة السلطة في بغداد الفريق الأول حسين كامل..
بينما كانت الصحف تتأرجح بين هذا الاعتقاد أو ذاك عقد حسين كامل مؤتمراً صحفياً وأعلن فيه معارضته لنظام الحكم في بغداد، كما أعلن ما أسماه برنامج إنقاذ العراق.. وراح يكثف اتصالاته بفصائل المعارضة العراقية التي أبدت تجاوباً متفاوتاً بين مقبل ومدبر.
ومرت الأيام مليئة بالضجيج الإعلامي مشحونة بالترقب والتوقعات.. وحضر نجل الرئيس العراقي عدي إلى الأردن بمهمة إعادة أختيه إلى العراق.. وتناقلت وكالات الأنباء أخباراً حول رفض الأختين العودة إلى العراق.
وبعد هذا تفجر نبأ جديد أثار دهشة أكبر من دهشة النبأ الأول.
. عاد حسين كامل وشقيقه وزوجتاهما وأختهما زوجة عز الدين محمد إلى العراق
وحده عز الدين محمد رفض أن يعود.
وما هي إلا أيام حتى كان نبأ مقتل الشقيقين حسين كامل وصدام كامل وشقيق ثالث لهما ووالدهم وشقيقتهم زوجة عز الدين وأولادها الخمسة.
مذبحة جماعية قيل أن عشيرتهم نفذتها بعد قرار بهدر دمهم اتخذته عشيرتهم عندما تم خروجهم إلى الأردن.
رحل حسين كامل ومن معه.. تاركين وراءهم تلالاً من الأسئلة التي لا تزال غامضة حتى اليوم.
واليوم مشعان الجبوري -الذي كان شاهداً على كل التفاصيل وشديد الالتصاق بالأحداث والمجريات وروى له الثلاثة القصة الحقيقية لما جرى في العراق وما لم يشاهده في الاردن- قرر الخروج عن صمته.. ونشر قصة الخروج والعودة وكل ما جرى وراء الكواليس.
وللمصداقية: فإننا سنواظب على إرسال جريدتنا للسيد صلاح عمر العلي الشخصية العراقية البارزة ووزير الأعلام سابقاً وعضو القيادة القطرية الأسبق في الحزب الحاكم في العراق.
كما سنواظب على إرسالها للرائد عز الدين محمد الشاهدين الوحيدين مع السيد الجبوري على كل الأحداث والأحاديث التي جرت في عمان.
ونتعهد بنشر أية ملاحظة أو تصويب أو اعتراض يصلنا من السيد (العلي) أو السيد (عز الدين) أو أي مطلع آخر على التفاصيل والأحداث.

عمان الخامسة صباحاً:

نام الجميع، إلا حسين كامل الذي ظل ممدداً في فراشه وعيناه مفتوحتان على عالم يبدو له غامضاً، وأسئلة كثيرة تتزاحم في ذهنه، تزيد من قلقه وتؤرقه وتمنع نومه.
ماذا سيقول للملك حسين غداً؟ أي المواقف يجب عليه أن يتخذ؟ ترى هل الأردن مستعد لحمايته؟ وإذا كان الأردن مستعداً، فهل هو قادر على حمايته وهو المطلع على حجم قدرة العراق في التأثير على الأردن؟
فالأردن يأخذ احتياجاته النفطية من العراق، إما مجاناً أو بأسعار مخفضة جداً، والاقتصاد الأردني يعتمد اعتماداً كلياً على سوق العراق، فالصناعة الأردنية بنيت أصلاً وأنشئ أغلبها ليلبي احتياجات العراق.
وميناء العقبة يعمل للعراق، والشاحنات الأردنية تعمل مع العراق، فنادق الأردن تعمل للعراق، العقارات ازدهرت في الأردن بسبب العراقيين.
هذا الارتباط العضوي والمهم بين العراق والأردن، هو ما أرق حسين ومنعه من النوم، وجعله في حيرة من أمره (كما قال لي لاحقاً)، ولكنه كان يعوّل على علاقته الجيدة مع الملك حسين (رحمه الله)، هذه العلاقة التي تكونت منذ أن كان الملك حسين يأتي إلى العراق بزيارات متتالية، وبخاصة خلال سنوات الحرب العراقية الإيرانية، والتي أصبحت قوية بفضل الإطراء والمديح الذي كان يقدمه الرئيس صدام حسين بحق حسين كامل، فقد كان يعزي كل تطور في الصناعة الحربية إلى حسين كامل، سواء كان هذا الموقف حقيقياً أم لا.
فقد صنعوا طائرة بلا طيار، فقال الرئيس صدام للملك حسين، إنها من انتاج حسين كامل، تطوير صواريخ سكود، اعتبره الرئيس صدام من إنتاج حسين كامل، الزوارق التي دخلت في حرب الأهوار، كان يقول أنها من إنتاج حسين كامل.
كما أن حسين كامل كان يعوّل على أمر آخر، وهو أن الكثير من الدعم الخاص الذي كان يمر إلى الأردن، كان بإشراف حسين كامل، كما أنه كان يشرف على تفاصيل زيارات الملك حسين عندما كان يأتي إلى بغداد.
فافترض حسين كامل، أن كل هذه الاعتبارات ستجعل الملك يغامر بمنحه الحماية، رغم المخاطر الاقتصادية التي قد يتعرض لها جراء هكذا قرار.

عمان الثامنة صباحاً:

ما زال الجميع نياماً من جراء الرحلة الطويلة من بغداد إلى عمان، إلا حسين كامل، الذي كان يعرف جيداً أن رحلته المضنية قد بدأت عند وصوله إلى عمان، تناول سماعة الهاتف وطلب من عاملة الفندق أن تربطه بالديوان الملكي، لم يكن في دفاتره أي رقم هاتف يمكنه من الاتصال مع جلالة الملك حسين مباشرة، ولا أي رقم آخر يمكنه من الاتصال بالديوان الملكي، أمنت له عاملة المقسم الاتصال، وتحدث مع رئيس الديوان الملكي آنذاك السيد مروان القاسم، الذي استفسر عن وضعه، ثم قال له سأرسل لك سيارة لتحضرك إلى الديوان الملكي.
وبعد قرابة النصف ساعة، كان حسين كامل يجلس مع مروان القاسم في الديوان الملكي، وبعد ترحيب يليق بمقام الفريق الأول، طرح مروان القاسم عدة أسئلة حول الأسباب التي دفعت حسين كامل للخروج وحول العائلة، والمطلوب من الملك حسين، لأنه على ما يبدو كان يريد أن يضع جلالة الملك حسين بأجواء المجيء المفاجىء لحسين كامل إلى الأردن، وصرح حسين كامل عن رغبته بلقاء الملك حسين.
ولكن هذا اللقاء تأخر أكثر من أربع ساعات، فقد كان ذلك اليوم، هو يوم عطلة في الأردن بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، كما كان يوم عطلة في بغداد لسببين، أولهما ذكرى المولد النبوي الشريف، وثانيهما ذكرى إيقاف الحرب العراقية الإيرانية، والتي كان يسميها النظام يوم الانتصار العظيم.

اللقاء الأول مع جلالة الملك حسين:

عندما التقى حسين كامل مع الملك حسين، اعتذر جلالة الملك عن التأخير في مقابلته، لأنه كان يقوم ببعض الواجبات والزيارات المتعلقة بذكرى المولد النبوي الشريف، ومعروف عن جلالته (رحمه الله)، لياقته الأدبية العالية، وتعامله الجيد مع الجميع، وجلسا معاً تظللهما ذكريات طيبة من لقاءات سابقة، واحترام كبير متبادل.
قال حسين كامل: جئنا إليك دخلاء.
ومعروف أن الدخيل عند العرب هو الذي يستجير بحاكم أو زعيم أو ملك أو شيخ قبيلة، من ظلم من يعيش معهم، أو لخلافات بينهم، فيطلب الحماية حتى تتحسن الأوضاع، أو تعود العلاقة إلى طبيعتها.
قال حسين كامل لجلالة الملك: سيدي أنت عمنا وأنت الهاشمي، ونحن أولاد عمومتك.
إن الرئيس صدام حسين لا يسمع النصائح ولم يتعلم من الأخطاء، وقد بلغ نفوذ أولاده وأشقائه حداً لا يطاق، إن هذا النفوذ يصرف بطريقة همجية فظة، ويهددنا جميعاً في النهاية، والرئيس ما عاد يستطيع أن يفرض هيمنته عليهم، وعدد له تجاوزات عدي، وقصي، وتجاوزات وانتهاكات أشقاء الرئيس، وبخاصة سبعاوي ووطبان.
كان هذا الكلام يفاجئ الملك حسين، ويدهشه، وهنا ربما أراد حسين كامل أن يؤجج دهشة الملك، أو أن يجعل لكلامه وقعاً أشد ثقلاً، فقال للملك:
رغم كل هذه الأحداث فإن الرئيس صدام حسين يريد أن يحتل الكويت ثانية.
(كان حسين كامل يقصد حادثة حدثت قبل سنتين، من ذلك التاريخ عندما حشد صدام حسين قواته باتجاه الكويت، وكشفته أجهزة المراقبة في القوات الأمريكية، وأرسلت له الولايات المتحدة الأمريكية رسالة عن طريق الدبلوماسية الروسية، تهدده بأن قواته ستتعرض لضربات قوية إذا لم يسحبها، وقد ترتب على هذه الحادثة اعتراف العراق رسمياً بدولة الكويت، كدولة مجاورة مستقلة، وليست المحافظة التاسعة عشرة كما كان يردد النظام، وقد استغرب الكثيرون وقتها اعتراف العراق المفاجئ بالكويت، هذا الاعتراف الذي لم يحدث حتى عند شروط وقف إطلاق النار في حرب الخليج).
ولكن وللحقيقة، ففي الأيام التي خرج بها حسين كامل من العراق، لم تكن هناك أية حشود عسكرية بغية إعادة احتلال الكويت.
ولكن وعلى ما يبدو لي، كان حسين كامل يريد أن يزيد من أسباب منطقية معارضته لصدام حسين، ليكسب دعماً دولياً من الدول التي تتعرض مصالحها للضرر من احتلال الكويت.
فصرح للملك: إن هناك خطة جاهزة ومبيتة لاحتلال الكويت وشرق السعودية، وإنها قيد التنفيذ، وقد يقوم صدام حسين بتنفيذها في أي وقت.
حسين كامل الذي كان يقول هذا الكلام، والذي كان يريد أن يظهر نفسه معارضاً لاحتلال الكويت، كان واحداً من أربعة أشخاص على علم بخطة الاحتلال الأول للكويت، وواحد من الذين أشرفوا على تنفيذ هذه الخطة، وركناً مهماً من أركان نجاح الاحتلال المؤقت.
ورغم أن الدهشة كانت قد تملكت الملك حسين حين انتهى حسين كامل من حديثه، إلا أنه قال بهدوء:
الأمريكان مصرون على عدم رفع الحصار عن العراق ما دام الرئيس صدام حسين على رأس السلطة، وأعتقد أن الله وهبك الحكمة في اتخاذك قرار معارضة النظام في العراق، لتكون أنت الحاكم القادم للعراق، فأنت الشخص الذي يستطيع أن يجري عملية التغيير بدون دماء، وأنا سأدعمك في كل المحافل الدولية.
وأنا حاولت كثيراً أن أنصح الرئيس صدام حسين أن ينسحب من الكويت بعد احتلالها، ولم يسمع، وكما تعلم أنا لم أتكلم معه، أو أزور العراق منذ حرب الخليج حتى الآن.
وإذا تسمح لي عليّ أن أجري بعض الاتصالات الهاتفية، فكما تعلم أن أوضاعنا في الأردن تعتمد اعتماداً كلياً على العراق، ويخشى من رد فعل النظام العراقي في قطع النفط أو ربما يقوم بمهاجمتنا.
لذلك فأنا مضطر للحديث مع الرئيس كلينتون هاتفياً، لإبلاغه بقدومك وبموقفك الجديد، وأيضاً سأتكلم مع الأخ جلالة الملك فهد.
كما سأطلب من الإدارة الأمريكية أن تتحدث مع الأخوة في السعودية ليتعهدوا لنا بتزويدنا بالنفط إذا ما قطع العراق عنا نفطه .
أصبح حسين كامل يتخيل بأنه رئيس العراق القادم، وأنه سيتخلص من عدي وقصي وسبعاوي ووطبان، وكل أولئك الذين كان يعتقد حسين كامل بأنهم يحاولون أن يعيقوا أعماله، أو يشهرون به، أو يريدون القضاء عليه.
وتناول الملك حسين التلفون، وكان الوقت ظهراً في عمان، وفجراً في واشنطن، وطلب الرئيس كلينتون، وقيل له إنه نائم، وسألوه أن يؤجل مكالمته قليلاً إذا لم يكن هناك شيئاً طارئاً، ولكن عندما أبلغهم جلالة الملك بأن هناك حدثاً طارئاً، وأنه مصر على الحديث مع الرئيس كلينتون قالوا له، سنوقظه وسيطلبك.
وما هي إلا دقائق حتى اتصل الرئيس كلينتون بالملك حسين.
وبما أن حسين كامل لا يعرف من الانكليزية سوى كلمتي (Yes) و (No) فإنه لم يعرف ما جرى خلال تلك المكالمة، إلا ما شرحه له جلالة الملك بعد انتهاء المكالمة، من أن الرئيس كلينتون يبلغه تحياته ويتعهد بحمايته ومساندته، وأنه سيرسل مجموعة من الخبراء وكبار الموظفين في البيت الأبيض وإدارة المخابرات الأمريكية للاجتماع معه والتحدث إليه، وفي ضوء نتائج هذا الحديث سيقرر الخطوة اللاحقة.
ثم قام الملك حسين بإجراء اتصال آخر مع جلالة الملك فهد، عاهل المملكة العربية السعودية، وقال له: عندي الفريق حسين كامل، صهر الرئيس العراقي صدام حسين، وهو رجل العراق القوي، والمطلع على كل التفاصيل السرية، ومعه شقيقه العقيد صدام كامل، مرافق الرئيس، وكذلك ابن عمه عز الدين، وقد خرجوا من العراق لأنهم يعترضون على خطط جديدة وضعها الرئيس صدام حسين تتعلق بالوضع في المنطقة.
وأنا أقترح عليك أن ترسل لي من تعتقد انه يجب أن يستمع للتفاصيل الحقيقية من الفريق حسين كامل.
اتفق الملك فهد والملك حسين حسبما فهم حسين كامل على أن يقوم الأمير تركي الفيصل، رئيس المخابرات السعودية، بزيارة عاجلة إلى عمان، ويجتمع مع حسين كامل ويتحدث إليه.

الى قصر الهاشمية:

بعد هذه الاتصالات، قال الملك حسين لحسين كامل، سأخصص لك قصر الحمر ليكون قصر إقامتك أنت وأهلك.
انتهى اللقاء، وعاد حسين كامل إلى الفندق ليجد شقيقه صدام وابن عمه عز الدين بانتظاره على أحر من الجمر، ليعرفا ما هي الخطوة التالية.
قال لهم حسين، سنتحدث فيما بعد، علينا الآن أن ننتقل إلى قصر الحمر الملكي، الذي خصصه الملك حسين لنا.
(وقد أخبرني صدام كامل فيما بعد، بأنه لم يتفاجأ بهذه الخطوة من الملك حسين، لأنهم غالباً ما كانوا يتحدثون مع الملك حسين عندما يأتي إلى بغداد، على أنهم من نسب واحد).
انتقل الجميع بسياراتهم، ورافقتهم سيارات من الديوان الملكي إلى قصر الحمر، الذي يطل على تلة جميلة من تلال عمان، ويقع على بعد 15 كم عن مدينة عمان.
وفي الليالي الصافية، تتلألأ أمامك أضواء مدينة القدس الشريف عندما تقف على شرفة هذا القصر، الذي يتسم بالبساطة والجمال، وقد دخلت هذا القصر عشرات المرات، وكان انطباعي دائماً بأنه قصر متواضع ولكنه جميل، وقد عرف عن جميع قصور الملك حسين وأشقائه وأفراد أسرته، أنها تتسم بالبساطة، فليس هناك فرق كبير بينها وبين قصور المواطنين، التي بنيت في (عبدون) في سنوات الحصار على العراق.
وصلت العائلات إلى قصر الحمر، وكان بانتظارهم مروان القاسم رئيس الديوان الملكي، وربما لاحظ استهجان كريمتا الرئيس صدام، حيث أن هذا القصر أقل شأناً من حيث الفخامة والتكلف من قصور صدام حسين، أو حتى قصور حاشيته، ومنهم حسين كامل وصدام كامل، فهذا القصر يبدو بسيطاً جداً مقارنة بتلك القصور.

غداء مع الملك:

بعد قليل، حضر الملك حسين شخصياً إلى قصر الحمر، راغباً بتناول الغداء مع العائلة، والاطمئنان على أوضاعهم، وسلم على جميع أفراد الأسر الثلاثة، وتناولوا الغداء جميعاً، وقال جلالته لهم: نحن أفراد أسرة واحدة، هذا بيتكم، ونحن أهلكم، ومستعدون لتنفيذ جميع رغباتكم ومطالبكم، واحتياجاتكم وما تريدونه.
كان وقع الكلام على حسين كامل وشقيقه وابن عمه لطيفاً ومرضياً، إلا أن الكلام ذاته كان له وقع غامض على كريمتي الرئيس رنا ورغد، اللتين لم تفهما ما يقصده الملك.
فالرحلة كما كانتا تظنان إلى بلغاريا، والإقامة في الأردن مؤقتة، وقد أبلغهما حسين كامل أن جلالة الملك رفض أن تبقى العائلات في الفندق، وقد خصص لهم قصر الحمر الملكي لإقامة مؤقتة.
كلام الملك هذا خلق توجسات لدى كريمتي الرئيس، وراحت نظراتهما تستفهم عن حقيقة الأمر.
وروى لي صدام كامل، أنه خشي في هذا الموقف أن تطرح زوجته أو زوجة أخيه سؤالاً ما بحضرة الملك يؤدي إلى الانفجار.
فحقيقة الأمر، لقد كانت كريمتي الرئيس رهينتين لأنهما لم يعرفا بأمر الخروج النهائي من العراق، ولم يؤخذ رأيهما في الموضوع، وقد تعرضتا لخديعة السفر إلى بلغاريا، ولا شك فإن هذا لن يقبل به الملك حسين ولا غيره.
ولكن بما أن كريمتي الرئيس احترمتا حضرة جلالة الملك، ولم تطرحا الأسئلة، فقد مرت بسلام، ولكنه لن يدوم طويلاً كما سنعرف فيما بعد.
انتهى الغداء، واتفق الملك حسين مع حسين كامل على اللقاء مساءً، وغادرهم.
وزعت أجنحة القصر على أفراد العائلة الذين امتلأت رؤوسهم بالأسئلة والهواجس وخصوصاً كريمتي الرئيس.