|
لندن يلفها الصخب. ووسائل الإعلام العربية أصابها الجنون.. لكن روحي هادئة..
رغم أن الوقت ثقيل. ألقيت الصحيفة من يدي.. وأغلقت هاتفي.. أريد الحفاظ على
هدوئي.. كانت كل حواسي وجميع قنوات دماغي تعمل بأقصى طاقتها وبشكل استثنائي..
هذا الخروج مؤشر واضح على رجحان كفة الفكر المعارض.. وفرصة مهمة قاب قوسين أو
أدنى.. لتحقيق حلم كبير بانتقال سلمي للسلطة من يد دكتاتور إلى أدمغة عدة تريد
إنقاذ العراق وإنهاء محنتنا. كنت واثقاً أنها خطوة كضربة قوية على ظهر النظام
الحاكم. إن فشلت ستكسبه قوة.. انتابني قلق طفيف فوددت الحديث مع آخرين.. في
اللحظة التي فتحت فيها هاتفي رن جرسه.. وكان صدام كامل على الخط..
أستطيع القول أنه كان صديقي منذ عام 1980.. وكان مهذباً لطيف التعامل دمث
الأخلاق.. لم أسمع أنه اعتدى على أحد.. أو تجاوز على أحد.. أو تسلط على أحد.. أو
أساء الأدب أو حاول أن يأخذ ما ليس له.. وكان يستطيع أن يفعل كل ذلك دون أن
تطاله يد المحاسبة..
هناك من يعتقد خطأ بأني كنت شريكاً تجارياً لعدي صدام حسين.. والحقيقة أن
الشخص الوحيد الذي كان بيني وبينه تعامل تجاري من عائلة صدام حسين هو صدام
كامل.. وقد كنا شركاء في معمل صغير للألبسة الجاهزة سنة 1982، أغلقناه بعد سنة
ونصف وخلافاً لكل التوقعات التي كان يتداولها البعض بأن الذي يشارك هؤلاء
دائماً هو الطرف المغبون..
انتهت شراكتنا رضائياً وبمحبة واحترام ودون أدنى إساءة. وظلت صداقتنا محتفظة
بتوهجها طوال الوقت.. أنا أتحدث على المستوى الشخصي.. وأغض طرفي عما قيل عن دور
صدام كامل في الإشراف على عمليات التعذيب المروعة عندما كان في جهاز الأمن
الخاص.. هذه العمليات التي طالت أشخاصاً من أهلي، وأصدقائي وبعض رموز المجتمع
الذين يحترمهم ويقدرهم الجميع.
لكننا في ذلك الاتصال.. الذي دام أكثر من ساعة ونصف لم نتحدث أبداً بالماضي.. لم
نتعاتب.. ولم نتحاسب.. فقد كان ندمه جلي الوضوح.. وكان تسامحي ناصع النقاء..
لم نتحدث بما مضى.. تحدثنا بالحاضر.. وبالمستقبل.. وكان جلّ همي أن أدفع هذه
الخطوة العظيمة التي أقدم عليها مع شقيقه.. إلى الأمام.. وأن أؤمن لها مناخاً
مناسباً لتأتي ثمارها..
مرر لي شقيقه الفريق حسين كامل وتحدثنا طويلاً وروى لي بعض الأحداث التي حدثت
بالقرب مني ووعدني بأنه سيحدثني بالكثير من الأسرار عندما سنلتقي قريباً في
عمان.
وفوضني بالاتصال بمن أراه مناسبا للتعاون.. فاتصلت بالحزب الشيوعي العراقي
وهيئت لقاءً بيننا.. كما أجريت لقاء مع حزب الدعوة الإسلامي. ولقاء آخر مع
السيد هاني الفكيكي نائب رئيس المؤتمر الوطني العراقي. كما أجريت لقاء مع
شخصيات دبلوماسية في وزارة الخارجية البريطانية في لندن.. ولقاء مع الدكتور
عبد الحسين شعبان ومع السيد سعد صالح جبر..
ولم أتردد لحظة بالاتصال بالسيد صلاح عمر العلي رغم ما كان بيني وبينه من خلاف
كبير وصل حد الشتائم على صفحات الجرائد..
قلت للسيد صلاح عبر الهاتف: علينا أن ننسى خلافاتنا يا أبو عمر.. إذا كنا نريد
إنقاذ العراق.. واستجاب دون كلمة عتاب والتقينا على موعد حددناه.. ولم نتعاتب..
بل تحدثنا فيما يمكن أن نفعله للم شمل المعارضة، وجعل خروج حسين كامل مآزراً
للفكر المعارض وإشراقة لحل الأزمات..
وللحديث بقية
خرج خلافاً للتوقعات.. وعاد خلافاً للتوقعات
وقتل كما كان متوقعاً
بغداد 7/8/1995
اهتزت مؤسسة الحكم من هول المفاجأة. وأفسد النبأ السيء بهجة الاحتفال الذي
كان يقيمه الرئيس صدام حسين بمناسبة ذكرى إيقاف الحرب مع إيران والذي كان
يعتبره يوم انتصار عظيم.
ما هو النبأ؟ الفريق أول حسين كامل وشقيقه العقيد صدام كامل وزوجتاهما كريمتا
الرئيس صدام حسين وابن عمهما عز الدين محمد وزوجته وكامل أفراد عائلاتهم
وصلوا الأردن وطلبوا اللجوء السياسي هناك.
أقام النبأ الدنيا ولم يقعدها وبدأت وسائل الإعلام تعطي الموضوع الأولوية
وأخذت الصحافة تنشر سيناريوهات وتوقعات وتكهنات. وراحت وكالات الأنباء
تتناقل تعليقات كبار زعماء العالم وزعماء العرب حول هذا الخروج غير المتوقع
لرجل العراق القوي وصاحب النفوذ الاستثنائي، وأهم أعمدة السلطة في بغداد
الفريق أول حسين كامل.. وبدأ الشارع العربي الذي لم يكن قد سمع بالفريق أول
حسين كامل من قبل يطرح أسئلته:
من هو حسين كامل؟
ما هي المناصب التي تولاها؟..
هل صحيح ما كان يشاع عنه بأنه عصبي المزاج دائماً وحاد الطباع ودائم الشجار مع
من هم حوله؟..
ترى كيف أقنع زوجته وزوجة أخيه (كريمتي الرئيس) بمغادرة العراق؟..
وبينما كانت بعض الصحف تروج أن موضوع خروج حسين كامل إلى الأردن هو مسرحية
تم إعدادها وإخراجها في بغداد وتحت إشراف الرئيس صدام حسين وصحف أخرى ترى أن
هذا الخروج هو انشقاق على السلطة وعلامة بارزة من علامات بداية سقوطها..
بينما كانت الصحف تتأرجح بين هذا الاعتقاد أو ذاك عقد حسين كامل مؤتمراً
صحفياً وأعلن فيه معارضته لنظام الحكم في بغداد، كما أعلن ما أسماه برنامج
إنقاذ العراق.. وراح يكثف اتصالاته بفصائل المعارضة العراقية التي أبدت
تجاوباً متفاوتاً بين مقبل ومدبر.
وطفت على السطح تساؤلات جديدة:
هل كان حسين كامل عاقداً العزم أن يعمل ضد عمه وجد أولاده الرئيس صدام حسين
أم أن أحداً ورطه؟
ترى ماذا كان موقف كريمتي الرئيس عندما علمتا بقصة المؤتمر الصحفي الذي أعلن
فيه حسين كامل معارضته لوالدهما الرئيس؟
لماذا تفاوتت مواقف فصائل المعارضة؟ لماذا أقبل البعض وأحجم آخرون؟
هل اتصل حسين كامل مع الكويت أو دول عربية أو أجنبية أخرى لجمع التأييد؟
هل كشف أسرار العراق التسليحية؟
ظلت هذه الأسئلة رغم شرعية تكونها في أذهان الناس دون إجابة لا من حسين كامل
ولا من سواه. ومرت الأيام مليئة بالضجيج الإعلامي مشحونة بالترقب والتوقعات..
وحضر نجل الرئيس العراقي عدي إلى الأردن بمهمة إعادة أختيه إلى العراق..
وتناقلت وكالات الأنباء أخباراً حول رفض الأختين العودة إلى العراق..
فما هي الحقيقة؟
هل كانت إحدى بنات الرئيس هي التي أبلغت الملك حسين رفضها وأختها العودة مع
عدي إلى العراق عندما حضر للتأكد من اجابتهما أم أن شيء آخر قد حدث؟
هل كانت كريمتا الرئيس فعلاً في إقامة جبرية في الأردن؟
هل حصل خلاف بين حسين كامل والقيادة الأردنية؟ ما هي حقيقة هذا الخلاف.. وما هي
أسبابه؟
لماذا ركب حسين كامل سيارته وغادر قصر الهاشمية الملكي متجهاً إلى منزل
السفير العراقي في عمان.. ؟
وبعد هذا تفجر نبأ جديد أثار دهشة أكبر من دهشة النبأ الأول.
عاد حسين كامل وشقيقه وزوجتاهما وأختهما زوجة عز الدين محمد إلى العراق
وحده عز الدين محمد رفض أن يعود.
وأثار النبأ عاصفة من التساؤلات التي تصدرت الصفحات الأولى.
لماذا عاد حسين كامل إلى العراق؟
هل حصل على عفو من الرئيس صدام حسين. ؟
هل كان يعرف أنه سيموت إذا عاد؟
لماذا رفض عز الدين محمد العودة؟
بعض الصحف وصفت الموضوع بأنه اللغز المحير..
وما هي إلا أيام حتى كان نبأ مقتل الشقيقين حسين كامل وصدام كامل وشقيق ثالث
لهما ووالدهم وشقيقتهم زوجة عز الدين وأولادها الخمسة.
مذبحة جماعية قيل أن عشيرتهم نفذتها بعد قرار بهدر دمهم اتخذته عشيرتهم
عندما تم خروجهم إلى الأردن. رحل حسين كامل ومن معه.. تاركين وراءهم تلالاً من
الأسئلة التي لا تزال غامضة حتى اليوم.
واليوم مشعان الجبوري -الذي كان شاهداً على كل التفاصيل وشديد الالتصاق
بالأحداث والمجريات وروى له الثلاثة القصة الحقيقية لما جرى في العراق وما لم
يشاهده في الاردن- قرر الخروج عن صمته.. ونشر قصة الخروج والعودة وكل ما جرى
وراء الكواليس..
وللمصداقية: فإننا سنواظب على إرسال جريدتنا للسيد صلاح عمر العلي الشخصية
العراقية البارزة ووزير الأعلام سابقاً وعضو القيادة القطرية الأسبق في
الحزب الحاكم في العراق.
كما سنواظب على إرسالها للرائد عز الدين محمد الشاهدين الوحيدين مع السيد
الجبوري على كل الأحداث والأحاديث التي جرت في عمان..
ونتعهد بنشر أي ملاحظة أو تصويب أو اعتراض يصلنا من السيد (العلي) أو السيد (عز
الدين) أو أي مطلع آخر على التفاصيل والأحداث..
مشعان الجبوري
|