Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

القصة الكاملة لخروج حسين كامل وشقيقه صدام كما يرويها مشعان الجبوري صاحب صحيفة الاتجاه الاخر

 

القصة الكاملة لخروج حسين كامل وشقيقه صدام كما يرويها مشعان الجبوري صاحب صحيفة الاتجاه الاخر

 

الحلقة الاولى

 


الرئيس صدام يتوسط عائلته

حزمت أمري

كنت في لندن جالساً مع السيد زكي شهاب الصحفي في مجلة الوسط، عندما اتصل بي مدير مكتبي في تركيا وأخبرني أن العقيد صدام كامل يطلب رقم هاتفي النقال. فقلت له لا مانع من إعطائه الرقم. وكنت أعرف أنه غادر العراق مع شقيقه حسين كامل وصهره عز الدين محمد. وبعد لحظات اتصل بي وأخبرني أنه في الأردن.. ودعاني للحضور وللتعاون.
بعد أن أنهينا المكالمة.. وجدت نفسي وجهاً لوجه مع السؤال المحرج: كيف سأجلس مع قاتل شقيقي وقاتل شقيق زوجتي ومدبر محاولات اغتيالي.

احترت واحتارت بي الأرض وضاق علي الكون.. وصارت أحاسيسي ومشاعري غامضة غريبة.. ماذا فعلنا بأنفسنا؟.. أي بشاعات أرغمنا عليها هذا النظام؟
ثم أرغمتنا الأيام على قبولها صامتين مذهولين..
بعناء كبير.. حزمت أمري.. الانتقام سهل.. ولكني خلقت ـ أو هكذا أظن للمواقف ـ الصعبة الشجاعة. وخلقت للجرأة.. والشجاعة هنا بالتسامح والجرأة بالعفو.. نحن جميعاً لنا ثأر مع بعضنا.. وإذا عملنا بالنظرية التي تربينا عليها والثقافة التي توارثناها.. العين بالعين والسن بالسن سنصبح شعباً بلا أسنان وبلا عيون. ولن نجد من يدلنا على الطريق.. سأقترح الطريق.. لن يوقف شلال الدم إلا التسامح.. لن تبدأ عملية الانقاذ من النفق المظلم إلا بالعفو.. نحن مطالبين أن نترفع عن جراحنا.. ونكبس الملح على الجرح.. الانتقام سيولد شعوراً بالانتقام لدى من انتقمنا منهم وهذا لن ينهي المحنة. إنه المحنة الأكبر والأشد رعباً.
القول بسحق العراق وسحق كل ما هو قائم وكل ما هو موجود والقول بتفسخ الدولة كلها.. ليس طريقاً للخلاص.. إنه طريق تفجير الحقد وتمزيق البلاد والعباد إلى أشلاء..
حزمت أمري..
لن أنظر بين قدمي كما تفعل أغلب فصائل المعارضة.. فأنا لم أصبح معارضاً لأصفي حسابات شخصية.. أصبحت معارضاً لأرسم طريق الخلاص.. ونحن والنظام لسنا أعداء. نحن أبناء شعب واحد نختلف على طريقة إدارة البلاد.. ذبح النظام أهلنا هذا الفعل شنيع دون أدنى شك. ولكن الأشنع منه أن نتمادى بالذبح فنذبح مستقبل البلاد.
حزمت أمري:
وفق هذه الرؤية.. وافقت أن أكون قريباً من الفريق حسين كامل.. وتعاونت معه وفق هذه الرؤية كنت أرى في حسين كامل بصيصاً من الأمل. لإنقاذ العراق بشكل سلمي. ومن هذا الأساس النظري كنت أريد أن أقدم نموذجاً للعراقيين المعارضين قبل الموالين. وكنت من خلال هذا أريد أن أقول لهم: لا تتركوا الخطاب الهمجي يفتك بكم وبنا.. لا تفسحوا المجال للحقد والبغض الطائفي أن يعمي البصر والبصيرة ويجعل منا عصابات تقتل بعضها بعضاً بروح الجاهلية.
لا بد من نقطة بآخر السطر.. ولا بد أن يتجرع أحد ما كأس ألمه وحيداً وبصمت. فلنكن حضاريين أكثر من النظام الذي نعارضه على الأقل .
بعض فصائل المعارضة لم تقبل بي رغم كل ما فعله النظام بأهلي. رغم الحجم الهائل للجراح.. رغم الجلد الكبير على الألم.. رغم روح التسامح والعفو التي كنت أول من بدأها وكنت كبش فداها.
وللبيان هناك فتاوى دينية لبعض التيارات الإسلامية تحرم شرعياً مصافحتي لأنني كنت يوماً ما مؤيداً للنظام. لم أكن محققاً أو ضابطاً أو حتى عضواً في الحزب الحاكم..
كنت مؤيداً فقط. هكذا كان رأيي. فأية جناية في أن يمارس الإنسان رأيه.
هذه الفتاوى هي التي جعلت الآلاف يدافعون عن النظام ليس إيماناً به ولكن من منطلق الدفاع عن النفس خوفاً من خطاب التهديد والوعيد.
حزمت أمري:
وسأدون الأحداث الكاملة والتفاصيل الحقيقية لقصة الخروج والعودة للفريق حسين كامل وشقيقه صدام كامل وابن عمه عز الدين محمد كما رواها لي الثلاثة في عمان عندما كنا سوية قبل عودتهم إلى العراق وكما شاهدتها وعشت تفاصيلها لعلها تكون درساً لنا وللأجيال القادمة ومن أجل عراق ديمقراطي..
ولعلنا ندرك الأسباب التي جعلتنا كمعارضين نخسر فرصة ذهبية. وهي فرصة تمرد الفريق حسين كامل ومن معه على النظام.
سأقول كل ما أعرفه لعلي أستشرف ما لا أعرفه.
سأقول كل شيء فالحقيقة ملك للجميع وليس لي الحق أو لأي كان بكتمان الحقائق. سأكشف الحقائق:
سأدون القصة كاملة.. فهي جزء من ملحمة الألم العراقي الكبير الذي يرفض أن يغادرني.. سأدون التفاصيل.. لن أدين أحداً ولن أبرأ أحداً سأقف على الحياد التام وأترك لكم الإدانة والبراءة والحكم.


خرج خلافاً للتوقعات.. وعاد خلافاً للتوقعات وقتل كما كان متوقعاً

بغداد 7/8/1995
اهتزت مؤسسة الحكم من هول المفاجأة. وأفسد النبأ السيء بهجة الاحتفال الذي كان يقيمه الرئيس صدام حسين بمناسبة ذكرى إيقاف الحرب مع إيران والذي كان يعتبره يوم انتصار عظيم.
ما هو النبأ؟ الفريق أول حسين كامل وشقيقه العقيد صدام كامل وزوجتاهما كريمتا الرئيس صدام حسين وابن عمهما عز الدين محمد وزوجته وكامل أفراد عائلاتهم وصلوا الأردن وطلبوا اللجوء السياسي هناك.
أقام النبأ الدنيا ولم يقعدها وبدأت وسائل الإعلام تعطي الموضوع الأولوية وأخذت الصحافة تنشر سيناريوهات وتوقعات وتكهنات. وراحت وكالات الأنباء تتناقل تعليقات كبار زعماء العالم وزعماء العرب حول هذا الخروج غير المتوقع لرجل العراق القوي وصاحب النفوذ الاستثنائي، وأهم أعمدة السلطة في بغداد الفريق أول حسين كامل.. وبدأ الشارع العربي الذي لم يكن قد سمع بالفريق أول حسين كامل من قبل يطرح أسئلته:
من هو حسين كامل؟
ما هي المناصب التي تولاها؟..
هل صحيح ما كان يشاع عنه بأنه عصبي المزاج دائماً وحاد الطباع ودائم الشجار مع من هم حوله؟..
ترى كيف أقنع زوجته وزوجة أخيه (كريمتي الرئيس) بمغادرة العراق؟..
وبينما كانت بعض الصحف تروج أن موضوع خروج حسين كامل إلى الأردن هو مسرحية تم إعدادها وإخراجها في بغداد وتحت إشراف الرئيس صدام حسين وصحف أخرى ترى أن هذا الخروج هو انشقاق على السلطة وعلامة بارزة من علامات بداية سقوطها..
بينما كانت الصحف تتأرجح بين هذا الاعتقاد أو ذاك عقد حسين كامل مؤتمراً صحفياً وأعلن فيه معارضته لنظام الحكم في بغداد، كما أعلن ما أسماه برنامج إنقاذ العراق.. وراح يكثف اتصالاته بفصائل المعارضة العراقية التي أبدت تجاوباً متفاوتاً بين مقبل ومدبر.
وطفت على السطح تساؤلات جديدة:
هل كان حسين كامل عاقداً العزم أن يعمل ضد عمه وجد أولاده الرئيس صدام حسين أم أن أحداً ورطه؟
ترى ماذا كان موقف كريمتي الرئيس عندما علمتا بقصة المؤتمر الصحفي الذي أعلن فيه حسين كامل معارضته لوالدهما الرئيس؟
لماذا تفاوتت مواقف فصائل المعارضة؟ لماذا أقبل البعض وأحجم آخرون؟
هل اتصل حسين كامل مع الكويت أو دول عربية أو أجنبية أخرى لجمع التأييد؟
هل كشف أسرار العراق التسليحية؟
ظلت هذه الأسئلة رغم شرعية تكونها في أذهان الناس دون إجابة لا من حسين كامل ولا من سواه. ومرت الأيام مليئة بالضجيج الإعلامي مشحونة بالترقب والتوقعات.. وحضر نجل الرئيس العراقي عدي إلى الأردن بمهمة إعادة أختيه إلى العراق.. وتناقلت وكالات الأنباء أخباراً حول رفض الأختين العودة إلى العراق..
فما هي الحقيقة؟
هل كانت إحدى بنات الرئيس هي التي أبلغت الملك حسين رفضها وأختها العودة مع عدي إلى العراق عندما حضر للتأكد من اجابتهما أم أن شيء آخر قد حدث؟
هل كانت كريمتا الرئيس فعلاً في إقامة جبرية في الأردن؟
هل حصل خلاف بين حسين كامل والقيادة الأردنية؟ ما هي حقيقة هذا الخلاف.. وما هي أسبابه؟
لماذا ركب حسين كامل سيارته وغادر قصر الهاشمية الملكي متجهاً إلى منزل السفير العراقي في عمان.. ؟
وبعد هذا تفجر نبأ جديد أثار دهشة أكبر من دهشة النبأ الأول.
عاد حسين كامل وشقيقه وزوجتاهما وأختهما زوجة عز الدين محمد إلى العراق
وحده عز الدين محمد رفض أن يعود.
وأثار النبأ عاصفة من التساؤلات التي تصدرت الصفحات الأولى.
لماذا عاد حسين كامل إلى العراق؟
هل حصل على عفو من الرئيس صدام حسين. ؟
هل كان يعرف أنه سيموت إذا عاد؟
لماذا رفض عز الدين محمد العودة؟
بعض الصحف وصفت الموضوع بأنه اللغز المحير..
وما هي إلا أيام حتى كان نبأ مقتل الشقيقين حسين كامل وصدام كامل وشقيق ثالث لهما ووالدهم وشقيقتهم زوجة عز الدين وأولادها الخمسة.
مذبحة جماعية قيل أن عشيرتهم نفذتها بعد قرار بهدر دمهم اتخذته عشيرتهم عندما تم خروجهم إلى الأردن. رحل حسين كامل ومن معه.. تاركين وراءهم تلالاً من الأسئلة التي لا تزال غامضة حتى اليوم.
واليوم مشعان الجبوري -الذي كان شاهداً على كل التفاصيل وشديد الالتصاق بالأحداث والمجريات وروى له الثلاثة القصة الحقيقية لما جرى في العراق وما لم يشاهده في الاردن- قرر الخروج عن صمته.. ونشر قصة الخروج والعودة وكل ما جرى وراء الكواليس..
وللمصداقية: فإننا سنواظب على إرسال جريدتنا للسيد صلاح عمر العلي الشخصية العراقية البارزة ووزير الأعلام سابقاً وعضو القيادة القطرية الأسبق في الحزب الحاكم في العراق.
كما سنواظب على إرسالها للرائد عز الدين محمد الشاهدين الوحيدين مع السيد الجبوري على كل الأحداث والأحاديث التي جرت في عمان..
ونتعهد بنشر أي ملاحظة أو تصويب أو اعتراض يصلنا من السيد (العلي) أو السيد (عز الدين) أو أي مطلع آخر على التفاصيل والأحداث..


مشعان الجبوري

اعتراضات حسين كامل على سلوكيات عدي كانت السبب الرئيس للخروج..

حسين كامل أيام مجده
أين ومتى؟
في مزرعة على مقربة من مدينة بغداد في حي الدورة.. وهو منطقة بساتين وفلل رائعة في مدينة بغداد ويقع ضمن تشكيلتها الإدارية. ويشتهر ببساتينه الخلابة الجمال.. ويعتقد أن اسمه قد جاء من دورة نهر دجلة حوله. ومعروف لدى أهل بغداد أن هذه المنطقة كانت مملوكة بأغلبها لأبناء عشيرة الجبور قبل أن تسيطر الدولة على بعض الأراضي وخاصة الأراضي الواقعة على ضفتي النهر وتوزعها على المقربين من القصر الرئاسي. في مزرعة فخمة من مزارع هذا الحي. وتحديداً يوم 7/8/1995 اجتمع ثلاثة أشخاص لتناول الغداء.. وكان هذا الاجتماع خلافاً للعادة.. للرجال دون عائلاتهم.
كما أن الاجتماع لم يكن للاستمتاع بالوقت كما جرت العادة... فقد كان الوجوم مسيطراً.. والجو ينبأ باتخاذ قرارات مصيرية.
في ذلك القصر الجميل المحاط بحراسات مشددة كان الثلاثة: الفريق حسين كامل. وزير الصناعة والتصنيع العسكري وصهر الرئيس صدام حسين ورجل العراق القوي. وشقيقه العقيد صدام كامل وهو المرافق الأقدم للرئيس صدام حسين وصهره أيضاً.
أما الثالث في ذاك الاجتماع فقد كان الرائد المتقاعد عز الدين محمد وهو صهر الفريق حسين والعقيد صدام كامل.. وابن عمهم.
واختلاف الألقاب ناتج عن قانون في العراق أصدرته السلطة الحاكمة. باقتراح من طارق عزيز على ما أعتقد ودعم من الرئيس صدام حسين يمنع العراقيين من استخدام ألقابهم العائلية أو القبلية وإلزامهم باستعمال الاسم الأول واسم الأب واسم الجد بما في ذلك البطاقات الشخصية والمستمسكات الرسمية وذلك لأسباب سنتحدث عنها في وقت آخر وفي مكان آخر من هذه الجريدة.
فاسم (كامل) الذي يعقب اسم حسين وشقيقه صدام هو اسم والدهما. أما الجد فاسمه مجيد. وبذلك يكون الاسم الثلاثي للفريق هو حسين كامل مجيد أما شقيقه فاسمه الثلاثي صدام كامل مجيد.
أما اسم محمد الذي يعقب اسم عز الذين فهو محمد حسن مجيد. واسم حسين الذي يعقب اسم الرئيس صدام فهو اسم والده حسين مجيد.
خارج السيطرة:
أشير إلى أن هذا الاجتماع لم يكن تحت المراقبة لأنني عندما عرفت لاحقاً من المرحوم صدام كامل عما جرى مناقشته من مواضيع خطيرة ومهمة في هذا اللقاء. سألته:
ـ ألم تكونوا خائفين من أن يكون الاجتماع مراقباً من قبل أجهزة الأمن.. خصوصاً أنني وصدام كامل كنا نعرف أن جميع بيوت المسؤولين في الدولة العراقية موضوعة تحت المراقبة بالصوت بشكل مؤكد وبالصورة أحياناً. فقال لي وقتها:
ـ هل تعتقد أن أحداً يتجرأ على مراقبة منزل ابنة الرئيس؟ إذا ما افترضنا أنه من الممكن أن يضعنا أحد الأطراف تحت المراقبة.
في جلسة ما قبل الطعام قال المرحوم الفريق حسين كامل للحاضرين: إن الأوضاع ما عادت تحتمل، وأنا شخصياً لم أعد أستطيع أن أبقى جزءاً من هذه الدولة. ويبدو أن الرئيس فقد سيطرته على أولاده. الذين يريدون تحجيمنا وتشويه سمعتنا متناسين أننا نحن من حمينا النظام. ونحن من أبقينا الحكم. ونحن الذين أنقذناهم من هلاك مؤكد.
قال لي وقتها الفريق حسين كامل أن الرئيس صدام حسين استدعاه في أحد أيام شهر شباط من عام 1991 وقال له بالحرف الواحد: لقد انتهينا وأعتقد أن بغداد ستسقط وعلينا أن نفكر بالخطوة التالية. وقال الفريق حسين كامل أن الرئيس صدام حسين كان يفكر بالهرب إلى الأردن وأن الوضع في ذلك اليوم كان يشير إلى أن جميع أعضاء القيادة العراقية قد هربوا من بغداد وأصبحت الانتفاضة على بعد أربعين كيلومتراً من مدينة بغداد حيث سقطت تقريباً جميع المحافظات الجنوبية. وفي الوقت ذاته شهدت بعض أحياء مدينة بغداد تحدياً للسلطة تم التعبير عنه بأعمال مسلحة مثل مهاجمة مقرات الأمن. ومقرات الحزب الحاكم في حي الثورة والشعلة.
وأكد لي الفريق حسين كامل بحضور السيد «العلي» بأنه قال للرئيس صدام حسين:
ـ سيدي لا تهتهم فلن نسقط. أعطني صلاحياتك وسأريك ماذا أفعل.
ووافق الرئيس صدام على إعطاء صلاحياته للفريق حسين. وجرى ما سنتناوله في حلقات لاحقة على لسان حسين كامل.
من خلال هذه الواقعة كان حسين كامل يريد أن يدلل على دوره في حماية بقاء النظام. نعود إلى ضفاف دجلة.. والى الاجتماع المتوتر..
أضاف الفريق حسين كامل على مسامع أخيه وابن عمه: إن عدي حاول استفزازي وإهانتي. اتصل بي وقال: أتعرف لماذا تم إيفادك إلى موسكو.. (كان الفريق حسين كامل قد أوفد إلى موسكو قبل هذا الاجتماع بعدة أيام).. وعندما سألته لماذا؟ أجاب لقد تم إيفادك لتمنع من حضور المؤتمر القطري للحزب . وكان فعلاً وأثناء فترة وجود الفريق حسين كامل في موسكو قد انعقد المؤتمر القطري للحزب الحاكم في العراق وتم انتخاب قيادة قطرية جديدة. ومعروف لدى المطلعين أن الفريق حسين كامل كان يطمح منذ زمن طويل أن يكون أحد أعضاء القيادة القطرية. حيث حاول أن يرشح نفسه في المؤتمر الذي عقد في الشهر الثالث من عام 1991 لكن الرئيس صدام حسين طلب منه عدم ترشيح نفسه ووعده بأنه سيدعم ترشيحه في المؤتمر القادم.
هكذا قال حسين كامل لشقيقه وابن عمه وقال لهما أيضاً:
ـ يبدو أن الرئيس أراد إبعادي عن القيادة القطرية ليرشح أحد أولاده في المستقبل.
واستمر الفريق حسين كامل يتحدث عن استفزازات عدي له وقيامه بانتقاده بشكل علني في جريدة بابل التي يملكها. وأضاف: أن عدي ينتقم مني لأنني استقلت من وزارة الدفاع نهاية عام 1991.
وحدث وقتذاك أن طلب الفريق حسين كامل من الرئيس صدام حسين إيقاف تدخل عدي في مجريات عمل الدولة وأيضاً الحد من سيطرته على ممتلكات المواطنين. وعندما رفضت طلباته ترك وزارة الدفاع وقدم استقالته. وظل في بيته عدة أشهر مفترضاً أن الرئيس لن يقبل بتلك الاستقالة.
وعندما اقترح الرائد عز الدين محمد على الفريق حسين كامل عدم مغادرة العراق ومناقشة الرئيس مباشرة بهواجسه وانزعاجاته. ذكره بحادثة الاستقالة وأضاف:
ـ لا فائدة من مناقشة الرئيس في اعتراضاتنا. ثم أضاف موجهاً كلامه إلى الرائد عز الدين: أنت أول من عليه أن يفكر بمغادرة العراق، فرأسك مطلوب وموضوع تحت المراقبة ولولا خجلهم ومعرفتهم بأنني لن أصمت لقتلوك منذ زمن..
وهل نسيت الأشخاص الذين نزعت سلاحهم وأخذت بطاقاتهم الشخصية قبل عدة أيام عندما كانوا يتسللون إلى مزرعتك بعد منتصف الليل. كان حسين كامل يشير إلى قيام عز الدين بالاستيلاء على سلاح ووثائق مجموعة مسلحة وجدها في حديقة منزله الواسع مدعين بأنهم كانوا مكلفين بمراقبته وليس لاغتياله.
وكان حسين كامل يقول لعز الدين أن رأسك مطلوب لأنه في عام 1991 عندما كان عز الدين ضابطاً برتبة رائد في أحد ألوية الحرس الرئاسي الخاص. وأبلغ بأمر من الرئيس صدام حسين بتوليه رئاسة مجلس تحقيقي ليحقق مع ستة أشخاص من الحرس الرئاسي بتهمة قيامهم بالاستيلاء على حاجات شخصية جداً للرئيس صدام حسين من أحد قصوره التي كانوا يحرسونها خلال انهيار الدولة في الانتفاضة عام 1991 والتي أشرنا إليها سابقاً. (الأشياء الشخصية التي تمت سرقتها هي ملابس داخلية وعطور وكريمات وصابون.. الخ). وكان الأمر، يقول حسبما قال لي صدام كامل بحضور عز الدين ودون اعتراض منه في منزلي بعمان في الشهر العاشر من عام 1995 (يشكل مجلس تحقيقي برئاسة عز الدين محمد وينفذ بهم الإعدام)..
قال عز الذين للذي أبلغه بالقرار إذا كان يريد أن يعدمهم فلماذا لا ينفذ بهم الإعدام دون أن يورطني بأنني أنا من أوصى بإعدامهم وإذا أراد أن يشكل مجلس تحقيقي فعليه أن يترك لي صلاحية تقرير مصيرهم. أفلا يكفي بأنه تم إعدام الآلاف قبل عدة أيام من المنتفضين والآن أيضاً يريد أن يبدأ بإعدام منتسبي الحرس الخاص الذين وقفوا معه يوم هرب حتى وزرائه من بغداد.
هذا الكلام وصل للرئيس صدام حسين وأمر باعتقال عز الدين، ولم تقف الأمور عند هذا الحد، فعز الدين أعرفه منذ ما يقرب من خمسة وعشرين سنة، كنت أعرفه حاد الطباع شجاع، فتمرد على الأمر وطلب من وحدته العسكرية التمرد وقال للذي أبلغه بأمر الرئيس باعتقاله: الذي يريد أن يعتقلني فليأت لاعتقالي وسنرى من الذي سيعتقل الآخر. ما كان لأحد من أفراد أسرة صدام أن يقول مثل هذا الكلام لا عز الدين ولا غيره ولكن يبدو أن انفلات الدولة وانهيارها وما يعرفه عما قاله الرئيس بأن النظام سقط، ولد شعوراً جديداً لدى الجيل الذي لم يكن له الفضل في مجيء الرئيس إلى السلطة فأصبح يشعر بأنه صاحب فضل في الإبقاء والمحافظة على النظام بعد أحداث الانتفاضة. ولكنه في النهاية استسلم وأودع السجن لعدة أشهر ومن ثم أطلق سراحه وأحيل إلى التقاعد. (وتم إعدام الحراس الستة بحضور 1500 شخص من كل فوج من الأفواج العشرة للحرس الرئاسي. وكان الرئيس صدام يريد أن يجعل من هذا الموقف درساً وعبرة). لكن عز الدين محمد على ما يبدو كان يعرف أنه ربما يتم تسميمه أو اغتياله بأوامر من أولاد الرئيس أو من الرئيس شخصياً بطريقة لا يظهر فيها أي دور لهم في تصفيته. وكانت حادثة المسلحين في الحديقة دليل على ذلك..
ولكن بالرغم من كل هذا الكلام أصر عز الدين وصدام كامل على الاعتراض. وقال عز الدين: إن مغادرتنا للعراق تعني إضعاف السلطة وربما سقوطها وإذا سقطت فلن يرحمنا أحد فإذا نحن خرجنا نحصل على الأمان لأنفسنا لكن ماذا عن أهلنا وأشقائنا وأقاربنا. قال حسين كامل لهم:
ـ تعلمون أنه ما عاد يتعلم.. تعرفون جيداً بأنه قبل سنة أراد أن يعيد احتلال الكويت وعندما كشفته أجهزة المراقبة الأمريكية وأرسلوا إليه الموفد الروسي لم يكتف بسحب قواته من الكويت والإعلان عن عدم نيته احتلالها بل أعلن الاعتراف بالكويت كدولة مستقلة ذات سيادة وليست المحافظة التاسعة عشر كما كان يردد سابقاً.
أخيراً سأل صدام كامل ماذا نريد أن نحقق من هذا الخروج؟ قال حسين: نخرج ونقيم في عمان بضيافة الملك حسين الذي أعتقد بأنه سيستضيفنا وأنا تربطني به علاقة جيدة، وكثيراً ما قدمت له المعونات وللأردن عن طريقي وهو يعرف بأنني كنت أحضر لقاءاته مع الرئيس صدام حسين وسوف يكون سعيداً بأننا سنكون ضيوفه ومن عمان نكتب إلى الرئيس ونقول له لن نعود إلا بشروط وأولها أن يبعد عدي عن جميع المناصب ويوقف تدخله في شؤون الدولة وأن توكل إلينا مهمات في قيادة الدولة، فأما يسلمني رئاسة الوزراء، أو أن أكون نائباً له، فنحن من حمى النظام وليس عدي، كما عليه أن يوقف استهتار شقيقه وطبان وأن يعفيه من منصب وزير الداخلية والذي أصبحت تصرفاته المجنونة واعتداءاته على المواطنين تلحق الضرر بمؤسسة النظام ولا يجب أن نصمت عنها. وإن رفض الرئيس مطالبنا فسنعيش بعمان وهم سيندمون في النهاية وسيلبون مطالبنا.
وعندما سألت صدام كامل لاحقاً في عمان، لماذا تعتقد أن الرئيس صدام حسين كان يرفض ترشيح حسين كامل للقيادة القطرية، وأوفده إلى موسكو خلال المؤتمر، قال لي:هناك عضوين في القيادة القطرية من عائلتنا هو عمي علي حسن مجيد وكامل ياسين الرشيد، إضافة إلى الرئيس، فمن غير المعقول أن يأتي بعضو قيادة قطرية آخر من العائلة. وكان الرئيس يرى أن هذه المسميات ستسيء له وأن دور حسين كامل هو أكبر من دور عضو قيادة قطرية، فلذلك كان يعارض في حين كان طموح حسين كامل هو خلافة صدام في الحكم. إذا ما تعرض لمكروه باعتباره ابن عمه وصهره صاحب فضل على النظام كما قال لي عز الدين في عمان أيضاً.
لقد تمكن حسين كامل في الرابعة عصراً من فرض وجهة نظره وتقرر أن يغادر الثلاثة وعوائلهم إلى عمان. (ويبدو أن حسين كامل كان قد خطط وحيداً لهذا الخروج حيث قام قبل هذا اللقاء بأربعة أيام بإبلاغ زوجته وشقيقه صدام وعز الدين عن رغبته بمرافقتهم إياه عندما يسافر إلى بلغاريا بقصد السياحة). وتم وضع خطة المغادرة.
كانت الخطة هي استغلال أن اليوم التالي هو عطلة رسمية في العراق، واحتفالات بمناسبة يوم إيقاف الحرب مع إيران وما كان يسميه النظام الانتصار على إيران، وجرت العادة أن يقضي أفراد مؤسسة الحكم كل منهم مثل هذه المناسبات مع أسرهم والمقربين إليهم ليحتفلوا بالطريقة التي يريدونها وهذا يعني بأنهم يضمنون بأنه لن يستغرب أحد غيابهم.
ثانياً: أن ترسل سيارات بتوجيه من صدام كامل على طول الطريق بين الرمادي والحدود الأردنية وذلك لتأمين حماية الطريق. وأيضاً بمثابة علامات دالة.
ثالثاً: أن يقوم عز الدين بإرسال سيارة صالون مغلقة من التي تستعمل في الرحلات العائلية، وأن تصل هذه السيارة قبلهم إلى الحدود العراقية الأردنية على أن تتوقف قبل الحدود بعدة كيلومترات. وقام عز الدين بإرسال مثل هذه
السيارة وكان سبق أن أهداه إياها الرئيس صدام حسين. وكلف شقيقه الأصغر إبراهيم باستلام هذه السيارة عندما تصل الحدود على أن يذهب إبراهيم بسيارة أخرى. وكان لهم في هذه السيارة مآرب كبيرة سنأتي على ذكرها لاحقاً. رابعاً: تم الاتفاق على أن يذهب كل منهم مع زوجته وأولاده بسيارته الخاصة. وأن يأخذ معه ما خف وزنه وغلا ثمنه وأن يقول لزوجته بأننا ذاهبين إلى بلغاريا للمتعة وقد نتأخر أكثر من شهر. وانفض الاجتماع وانصرف كل على حدة احتياطاً وتم الاتفاق أن يكون لقاءهم القادم في الكيلو متر 160 بعد مدينة الرمادي باتجاه الحدود الأردنية.