|
كنت في لندن جالساً مع السيد زكي شهاب
الصحفي في مجلة الوسط، عندما اتصل بي مدير مكتبي في تركيا وأخبرني أن العقيد
صدام كامل يطلب رقم هاتفي النقال. فقلت له لا مانع من إعطائه الرقم. وكنت أعرف
أنه غادر العراق مع شقيقه حسين كامل وصهره عز الدين محمد. وبعد لحظات اتصل بي
وأخبرني أنه في الأردن.. ودعاني للحضور وللتعاون.
بعد أن أنهينا المكالمة.. وجدت نفسي وجهاً لوجه مع السؤال المحرج: كيف سأجلس مع
قاتل شقيقي وقاتل شقيق زوجتي ومدبر محاولات اغتيالي.
احترت واحتارت بي الأرض وضاق علي الكون.. وصارت أحاسيسي
ومشاعري غامضة غريبة.. ماذا فعلنا بأنفسنا؟.. أي بشاعات أرغمنا عليها هذا
النظام؟
ثم أرغمتنا الأيام على قبولها صامتين مذهولين..
بعناء كبير.. حزمت أمري.. الانتقام سهل.. ولكني خلقت ـ أو هكذا أظن للمواقف ـ
الصعبة الشجاعة. وخلقت للجرأة.. والشجاعة هنا بالتسامح والجرأة بالعفو.. نحن
جميعاً لنا ثأر مع بعضنا.. وإذا عملنا بالنظرية التي تربينا عليها والثقافة
التي توارثناها.. العين بالعين والسن بالسن سنصبح شعباً بلا أسنان وبلا عيون.
ولن نجد من يدلنا على الطريق.. سأقترح الطريق.. لن يوقف شلال الدم إلا التسامح..
لن تبدأ عملية الانقاذ من النفق المظلم إلا بالعفو.. نحن مطالبين أن نترفع عن
جراحنا.. ونكبس الملح على الجرح.. الانتقام سيولد شعوراً بالانتقام لدى من
انتقمنا منهم وهذا لن ينهي المحنة. إنه المحنة الأكبر والأشد رعباً.
القول بسحق العراق وسحق كل ما هو قائم وكل ما هو موجود والقول بتفسخ الدولة
كلها.. ليس طريقاً للخلاص.. إنه طريق تفجير الحقد وتمزيق البلاد والعباد إلى
أشلاء..
حزمت أمري..
لن أنظر بين قدمي كما تفعل أغلب فصائل المعارضة.. فأنا لم أصبح معارضاً لأصفي
حسابات شخصية.. أصبحت معارضاً لأرسم طريق الخلاص.. ونحن والنظام لسنا أعداء.
نحن أبناء شعب واحد نختلف على طريقة إدارة البلاد.. ذبح النظام أهلنا هذا
الفعل شنيع دون أدنى شك. ولكن الأشنع منه أن نتمادى بالذبح فنذبح مستقبل
البلاد.
حزمت أمري:
وفق هذه الرؤية.. وافقت أن أكون قريباً من الفريق حسين كامل.. وتعاونت معه وفق
هذه الرؤية كنت أرى في حسين كامل بصيصاً من الأمل. لإنقاذ العراق بشكل سلمي.
ومن هذا الأساس النظري كنت أريد أن أقدم نموذجاً للعراقيين المعارضين قبل
الموالين. وكنت من خلال هذا أريد أن أقول لهم: لا تتركوا الخطاب الهمجي يفتك
بكم وبنا.. لا تفسحوا المجال للحقد والبغض الطائفي أن يعمي البصر والبصيرة
ويجعل منا عصابات تقتل بعضها بعضاً بروح الجاهلية.
لا بد من نقطة بآخر السطر.. ولا بد أن يتجرع أحد ما كأس ألمه وحيداً وبصمت.
فلنكن حضاريين أكثر من النظام الذي نعارضه على الأقل .
بعض فصائل المعارضة لم تقبل بي رغم كل ما فعله النظام بأهلي. رغم الحجم الهائل
للجراح.. رغم الجلد الكبير على الألم.. رغم روح التسامح والعفو التي كنت أول من
بدأها وكنت كبش فداها.
وللبيان هناك فتاوى دينية لبعض التيارات الإسلامية تحرم شرعياً مصافحتي
لأنني كنت يوماً ما مؤيداً للنظام. لم أكن محققاً أو ضابطاً أو حتى عضواً في
الحزب الحاكم..
كنت مؤيداً فقط. هكذا كان رأيي. فأية جناية في أن يمارس الإنسان رأيه.
هذه الفتاوى هي التي جعلت الآلاف يدافعون عن النظام ليس إيماناً به ولكن من
منطلق الدفاع عن النفس خوفاً من خطاب التهديد والوعيد.
حزمت أمري:
وسأدون الأحداث الكاملة والتفاصيل الحقيقية لقصة الخروج والعودة للفريق
حسين كامل وشقيقه صدام كامل وابن عمه عز الدين محمد كما رواها لي الثلاثة في
عمان عندما كنا سوية قبل عودتهم إلى العراق وكما شاهدتها وعشت تفاصيلها لعلها
تكون درساً لنا وللأجيال القادمة ومن أجل عراق ديمقراطي..
ولعلنا ندرك الأسباب التي جعلتنا كمعارضين نخسر فرصة ذهبية. وهي فرصة تمرد
الفريق حسين كامل ومن معه على النظام.
سأقول كل ما أعرفه لعلي أستشرف ما لا أعرفه.
سأقول كل شيء فالحقيقة ملك للجميع وليس لي الحق أو لأي كان بكتمان الحقائق.
سأكشف الحقائق:
سأدون القصة كاملة.. فهي جزء من ملحمة الألم العراقي الكبير الذي يرفض أن
يغادرني.. سأدون التفاصيل.. لن أدين أحداً ولن أبرأ أحداً سأقف على الحياد
التام وأترك لكم الإدانة والبراءة والحكم.
خرج خلافاً للتوقعات.. وعاد خلافاً للتوقعات
وقتل كما كان متوقعاً
بغداد 7/8/1995
اهتزت مؤسسة الحكم من هول المفاجأة. وأفسد النبأ السيء بهجة الاحتفال الذي
كان يقيمه الرئيس صدام حسين بمناسبة ذكرى إيقاف الحرب مع إيران والذي كان
يعتبره يوم انتصار عظيم.
ما هو النبأ؟ الفريق أول حسين كامل وشقيقه العقيد صدام كامل وزوجتاهما كريمتا
الرئيس صدام حسين وابن عمهما عز الدين محمد وزوجته وكامل أفراد عائلاتهم
وصلوا الأردن وطلبوا اللجوء السياسي هناك.
أقام النبأ الدنيا ولم يقعدها وبدأت وسائل الإعلام تعطي الموضوع الأولوية
وأخذت الصحافة تنشر سيناريوهات وتوقعات وتكهنات. وراحت وكالات الأنباء
تتناقل تعليقات كبار زعماء العالم وزعماء العرب حول هذا الخروج غير المتوقع
لرجل العراق القوي وصاحب النفوذ الاستثنائي، وأهم أعمدة السلطة في بغداد
الفريق أول حسين كامل.. وبدأ الشارع العربي الذي لم يكن قد سمع بالفريق أول
حسين كامل من قبل يطرح أسئلته:
من هو حسين كامل؟
ما هي المناصب التي تولاها؟..
هل صحيح ما كان يشاع عنه بأنه عصبي المزاج دائماً وحاد الطباع ودائم الشجار مع
من هم حوله؟..
ترى كيف أقنع زوجته وزوجة أخيه (كريمتي الرئيس) بمغادرة العراق؟..
وبينما كانت بعض الصحف تروج أن موضوع خروج حسين كامل إلى الأردن هو مسرحية
تم إعدادها وإخراجها في بغداد وتحت إشراف الرئيس صدام حسين وصحف أخرى ترى أن
هذا الخروج هو انشقاق على السلطة وعلامة بارزة من علامات بداية سقوطها..
بينما كانت الصحف تتأرجح بين هذا الاعتقاد أو ذاك عقد حسين كامل مؤتمراً
صحفياً وأعلن فيه معارضته لنظام الحكم في بغداد، كما أعلن ما أسماه برنامج
إنقاذ العراق.. وراح يكثف اتصالاته بفصائل المعارضة العراقية التي أبدت
تجاوباً متفاوتاً بين مقبل ومدبر.
وطفت على السطح تساؤلات جديدة:
هل كان حسين كامل عاقداً العزم أن يعمل ضد عمه وجد أولاده الرئيس صدام حسين
أم أن أحداً ورطه؟
ترى ماذا كان موقف كريمتي الرئيس عندما علمتا بقصة المؤتمر الصحفي الذي أعلن
فيه حسين كامل معارضته لوالدهما الرئيس؟
لماذا تفاوتت مواقف فصائل المعارضة؟ لماذا أقبل البعض وأحجم آخرون؟
هل اتصل حسين كامل مع الكويت أو دول عربية أو أجنبية أخرى لجمع التأييد؟
هل كشف أسرار العراق التسليحية؟
ظلت هذه الأسئلة رغم شرعية تكونها في أذهان الناس دون إجابة لا من حسين كامل
ولا من سواه. ومرت الأيام مليئة بالضجيج الإعلامي مشحونة بالترقب والتوقعات..
وحضر نجل الرئيس العراقي عدي إلى الأردن بمهمة إعادة أختيه إلى العراق..
وتناقلت وكالات الأنباء أخباراً حول رفض الأختين العودة إلى العراق..
فما هي الحقيقة؟
هل كانت إحدى بنات الرئيس هي التي أبلغت الملك حسين رفضها وأختها العودة مع
عدي إلى العراق عندما حضر للتأكد من اجابتهما أم أن شيء آخر قد حدث؟
هل كانت كريمتا الرئيس فعلاً في إقامة جبرية في الأردن؟
هل حصل خلاف بين حسين كامل والقيادة الأردنية؟ ما هي حقيقة هذا الخلاف.. وما هي
أسبابه؟
لماذا ركب حسين كامل سيارته وغادر قصر الهاشمية الملكي متجهاً إلى منزل
السفير العراقي في عمان.. ؟
وبعد هذا تفجر نبأ جديد أثار دهشة أكبر من دهشة النبأ الأول.
عاد حسين كامل وشقيقه وزوجتاهما وأختهما زوجة عز الدين محمد إلى العراق
وحده عز الدين محمد رفض أن يعود.
وأثار النبأ عاصفة من التساؤلات التي تصدرت الصفحات الأولى.
لماذا عاد حسين كامل إلى العراق؟
هل حصل على عفو من الرئيس صدام حسين. ؟
هل كان يعرف أنه سيموت إذا عاد؟
لماذا رفض عز الدين محمد العودة؟
بعض الصحف وصفت الموضوع بأنه اللغز المحير..
وما هي إلا أيام حتى كان نبأ مقتل الشقيقين حسين كامل وصدام كامل وشقيق ثالث
لهما ووالدهم وشقيقتهم زوجة عز الدين وأولادها الخمسة.
مذبحة جماعية قيل أن عشيرتهم نفذتها بعد قرار بهدر دمهم اتخذته عشيرتهم
عندما تم خروجهم إلى الأردن. رحل حسين كامل ومن معه.. تاركين وراءهم تلالاً من
الأسئلة التي لا تزال غامضة حتى اليوم.
واليوم مشعان الجبوري -الذي كان شاهداً على كل التفاصيل وشديد الالتصاق
بالأحداث والمجريات وروى له الثلاثة القصة الحقيقية لما جرى في العراق وما لم
يشاهده في الاردن- قرر الخروج عن صمته.. ونشر قصة الخروج والعودة وكل ما جرى
وراء الكواليس..
وللمصداقية: فإننا سنواظب على إرسال جريدتنا للسيد صلاح عمر العلي الشخصية
العراقية البارزة ووزير الأعلام سابقاً وعضو القيادة القطرية الأسبق في
الحزب الحاكم في العراق.
كما سنواظب على إرسالها للرائد عز الدين محمد الشاهدين الوحيدين مع السيد
الجبوري على كل الأحداث والأحاديث التي جرت في عمان..
ونتعهد بنشر أي ملاحظة أو تصويب أو اعتراض يصلنا من السيد (العلي) أو السيد (عز
الدين) أو أي مطلع آخر على التفاصيل والأحداث..
مشعان الجبوري
|