احدعشر سنة على خيمة
صفوان..والتنازل عن السيادة الوطنية
غدر
بالجار وهدم للديار
الوضع قبل العدوان على الكويت
في مساء إحدى الأمسيات البغدادية التي خيم عليها الظلام الدامس بسبب متطلبات الحرب
ضد إيران ووجوب التعتيم وعدم فتح الإنارة لكي لا تكون هدفا للطائرات المغيرة فوجئ
الشعب العراقي بظهور صدام وهو يبكي من على شاشات التلفزيون في العراق - قبل نهاية
الحرب العراقية / الإيرانية بشهور - ويذرف دموع التماسيح بسبب استمرار الحرب مع
إيران وللخسائر البليغة في الجيش العراقي والأرواح والأموال والطاقات ويدعو إلى
الصبر والدعاء إلى الله لإنهاء الحرب الضروس التي أشعل فتيلها .و لاشك أن هذه حالة
غير مسبوقة إذ لم يسبق لرئيس دولة أو ملك أو حاكم أن يظهر بالصورة التي كان عليها
. وليست هذه هي المرة الأولى التي ظهر فيها صدام وهو يبكي بهذا الشكل فقد سبق أن
ذرف الدموع مع البعض من رفاقه في قاعة الخلد ببغداد عام 1979 إبان ادعائه في
اكتشاف المؤامرة عليه من رفاقه في البعث و الذين اعدمهم فيما بعد بمحاكمات صورية
بعيدة عن أي ضمانات قانونية لينفرد بعدها في السلطة ويهدر الدار ويعلن الحرب على
الشعب العراقي وعلى دول المنطقة والعالم مدعيا انه باني العراق والبطل القومي
المخلص والمنقذ للامة والناشر للفكر الإنساني .
ثم أخيرا وضعت الحرب العراقية - الإيرانية أوزارها في الثامن من أب 1988 بينما كانت
بيوت العراقيين مثخنة بالجراح من حرب دامية بدأها نظام الرئيس صدام و استمرت 8
سنوات لم تترك غير الدمار والخراب في كل مناحي الحياة في العراق , سواء أكان ذلك
أثناء الحرب الضروس التي استخدمت فيها كل صنوف الأسلحة التقليدية وغير التقليدية
مثل السلاح الكيماوي والغازات السامة , أم ما تبع ذلك من أثار مدمرة هي الأقسى من
وقائع العمليات العسكرية ذاتها التي دارت رحاها خلال فترة الحرب .
فمن المعلوم للجميع أن الآثار الاقتصادية والاجتماعية و النفسية و العسكرية
والإنسانية لمرحلة ما بعد الحرب هي الأخطر من الحرب والعمليات العسكرية ذاتها
وبسبب هذه الخطورة لا يمكن تجاوزها أو حلها بسهولة أو إنهاء نتائجها بين ليلة
وضحاها فما يزال الشعب العراقي يعاني من نتائج هذه الحرب حتى ألان و أن جروح
العراقيين لم تندمل بعد سواء من حيث قضية الأسرى أم المفقودين في الحرب أم في مئات
الآلاف من العوائل الثكلى أم من المعوقين الذين فقدوا شبابهم وطاقاتهم في الحرب أم
في الطاقات البشرية التي سئمت الحروب وتركت الوطن وركبت المخاطر والموت بحثا عن
الأمان والحرية أم في الثروات التي أهدرت في شراء السلاح من التجار ومن السوق
السوداء الدولية عبر الوسطاء وتجار الحروب .
و بالرغم من هذه المأساة وأثارها البليغة على كل العراقيين وشعوب المنطقة والعالم
فان الرئيس صدام كان يخطط سرا لموضوع كارثي هو الغدر بالجار الجنوبي بعد أن غدر
بالجار الشرقي وكان هو الأخطر فعلا من الحرب التي سبقتها حيث لا يعلم أي شخص بهذا
الزلزال المنتظر أو الكارثة سوى عدد محدود جدا من القيادة العراقية في مجلس قيادة
الثورة وهي عملية التخطيط لاحتلال دولة الكويت و ( بعض دول الخليج العربية )
للسيطرة على منابع البترول وتنفيذا للأحلام التوسعية والسيطرة المطلقة وللنفس
المريضة للطاغية وتنفيذا لسياسة الغدر والنهب للجار والتخريب للديار .
ومن مقدمات هذه الخطة التي كانت تهدف للتمويه أو الخداع وصرف الأنظار عن هذه خطة
الغدر بالجار السرية هي قيام النظام آنذاك في عمليات التمويه ومنها ممارسه عمليات
الإخلاء للسكان المدنيين من بغداد . وقد أشاع النظام في حينها باحتمالات قيام
إسرائيل بتوجيه ضربة عسكرية مفاجئة إلى بغداد وتارة أخرى باحتمال فيضان نهر دجلة
وحصول غرق لمناطق بغداد ولذلك نشطت الأجهزة الحزبية والأمنية في عمليات تدريب
السكان المدنيين على الإخلاء وعلى عمليات الدفاع المدني و على اللجوء إلى الملاجئ
التي كانت معدة أصلا لعوائل نخبة النظام كحماية من الضربات الجوية المحتملة أو
للتحصين مما كان يزعم من الفيضان لنهر دجلة أو الضربة العسكرية من إسرائيل . كما
صنفت هذه الملاجئ حسب أهمية البشر ومدى صلتهم بالنظام فالبشر على درجات وأصناف في
معايير النظام واعدت هويات خاصة لبعض المسؤولين وعائلاتهم للتحصين في الملاجئ
المذكورة عند حصول الخطر المزعوم.كما قام النظام بتكليف المدراء العامين
والمسؤولين وعمداء الكليات والقادة الحزبين والأمنيين وغيرهم بتولي مهام إخفاء أو
الحفاظ على الوثائق والسجلات المهمة في بيوتهم أو مزارعهم أو منتجعاتهم أو في أي
مكان أخر يرونه مناسبا و أمينا من الخطر القادم من نهري دجلة والفرات !! أو من
إسرائيل و ضربتها الجوية المنتظرة على العراق !
ولقد كنا نستغرب من سلوك السلطة آنذاك هو انه إذا كان هناك خطر قادم من هجوم
إسرائيلي مرتقب أو من فيضان مزعوم فلماذا يوزع النظام هويات أو بطاقات الدخول
للملاجئ للبعض دون البعض الأخر لكي يتحصنوا فيها ؟ لماذا لم أحصل عليها أنا وآخرين
مثلي من هذه الهويات ؟ أسئلة كثيرة محيرة لم نفهم دوافعها حينذاك .
نكث العهود و إهدار القيم
في منتصف فبراير ( شباط ) من عام 1989 أجبرت الأجهزة الأمنية العراقية المندسة تحت
غطاء الحزب عشرات الآلاف من الطلبة والموظفين وأساتذة الجامعات إلى ساحة
الاحتفالات الكبرى في بغداد وقد سيقوا مثل قطيع الأغنام تحت القوة و السياط
للتجمهر هناك وللحضور وسماع خطاب القائد الضرورة و لما سيدلي به من أقوال تاريخية
للامه في تحديد ورسم معالم طريقها للمستقبل الزاهر.
ولم يتمكن أحد من هذا ( القطيع ) الغياب أو الاعتذار عن الحضور فالنتائج معروفة
لمن يعصي أمر النظام لا سيما وان المخبرين منتشرون بين القطيع . وحين وصل الجمهور
إلى الساحة الكبرى للاحتفالات في وسط بغداد انتظروا فترة من الزمن حتى ظهر أربعة
من الرؤساء العرب هم الرئيس محمد حسني مبارك والرئيس على عبد الله صالح و جلالة
الملك المرحوم الحسين بن طلال و الرئيس صدام الذي كان يرتدي ( السدارة الفيصيلية
نسبة للمرحوم فيصل الأول - ملك العراق ومؤسس الدولة العراقية ).
وقبل الدخول للساحة المذكورة خضع كل فرد للتفتيش الدقيق كما لم يسلم حتى أحد عمداء
الكليات من جامعة بغداد وهو من الكوادر( العفلقية ) من التفتيش والإهانة حيث قام
أحد جنود الانضباط العسكري بتفتيشه من خلال عصا كان يحملها بيده بطريقة تكشف عن
مدى الاستهانة بالبشر , ثم ألقى الرئيس صدام خطابا مطولا كانت فحواه تدور حول بنود
مجلس التعاون العربي للدول الأربع وقد جاء من بينها ( عدم جواز استخدام القوة بين
الدول العربية لحل أي مشكلة قد تنشا فيما بينها ) وعلى أساس أن هذا المجلس هو نواة
لقوة عربية مشتركة تسمح بالتعاون في جميع المجالات من خلال تزاوج الخبرات والثروات
والطاقات العربية وكذلك تضمن الميثاق عدم جواز حل المشكلات بين العرب بالقوة وعدم
جواز التدخل بالشؤون الداخلية للدول العربية وغيرها من البنود التي تشبع فكر
المواطن العربي بها منذ اكثر من نصف قرن .
ولم تمض إلا فترة قصيرة على إنشاء المجلس حتى قام أمير دولة الكويت بزيارة العراق
في شهر نيسان ( أبريل ) من عام 1989 وقد حظي بتكريم كبير من القيادة العراقية وقام
الرئيس صدام بتكريمه بوسام الرافدين من الدرجة الأولى عرفانا له وتقديرا لدور دولة
الكويت الشقيقة في وقفتها مع العراق في الحرب ضد إيران خلال فترة 8 سنوات (
1980-1988 ) سواء للدعم المادي أو العسكري أو السياسي وحتى للدعم الإعلامي والشعبي
. وقد كان هذا التكريم تتويجا للعلاقات الطيبة وترسيخا للثقة و تمتينا للعهود بين
البلدين الجارين .
وحين سأل أمير دولة الكويت الرئيس صدام عن موعد زيارته القادمة للكويت , إجابة
الرئيس صدام ( زيارتي للكويت ستكون مفاجئة لكم !! ). ثم ذكر … صدام انه أمر أولاده
و أسرته باللجوء إلى عمهم سمو الأمير إذا حصل ما لا يحمد عقباه من تغيير في العراق
ليكونوا في رعاية عمهم سمو أمير دولة الكويت !
وفي شباط من عام 1990 زار الرئيس صدام المغفور له الملك الحسين لمناسبة مرور عام
على تأسيس مجلس التعاون العربي وصرح صدام في زيارته بضرورة الاعتراف بدور العراق
في الخليج كقوة عظمى لا ينافسها أحد وهذا يتطلب دعم العراق ماليا وهو ما أثار غضب
العديد من الدول العربية وغير العربية , ويبدو أن هدف الزيارة كان ابتزاز دول
الخليج , وبخاصة السعودية والكويت , لكي تلعب القوة العراقية دورها في المنطقة
الملتهبة بالبترول ويبدو أن هذا الاجتماع لمجلس التعاون كان بمثابة الشرارة الأولى
للزلزال …أو للكوارث اللاحقة .
( الضوء الأخضر أم الضوء الأحمر ) من السفيرة الأمريكية أبريل غلاسبي ؟
بتاريخ 25 تموز من عام 1990 وبينما كانت المفاوضات بين الجانبين العراقي و الكويتي
بين مد وجزر , تهديد ووعيد ,وبينما كانت الأنباء تتناقل عن حشود عسكرية ضخمة على
الحدود العراقية - الكويتية وما كنا نشاهده من تحرك كبير للقطعات العسكرية
العراقية من مناطق كردستان والموصل وغيرها إلى الجنوب ( منذ عودة صدام من عمان في
شباط 1990),كان الرئيس صدام قد استدعى السفيرة الأمريكية السيدة غلا سبي للاجتماع
بها في ذات الساحة الكبرى للاحتفالات ببغداد القريبة من القصر الجمهوري في اليوم
المذكور للوقوف على موقف الولايات المتحدة الأمريكية من قضية الخلاف مع الكويت .
دار الحديث بينهما بحضور المترجم و طارق عزيز - رغم أن السفيرة كانت تجيد التحدث
بالعربية - وقد فهم الرئيس صدام من السفيرة أن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية
لن تتدخل في قضايا النزاعات أو الخلافات بين الدول العربية باعتبارها شأنا داخليا
عربيا بين البلدين العربيين المتجاورين , كما فهم الرئيس صدام آنذاك أن أمريكا
ستبقى على الحياد إذا ما اقدم على الاحتلال العسكري لدولة الكويت خاصة وانه قدم (
خدمات جليلة ) إلى أمريكا ولدول الخليج العربية في الوقوف بوجه تصدير الثورة
الإيرانية - الإسلامية إلى المنطقة.
وأيا كان الفهم الذي ترشح من هذا اللقاء الذي دار بين الرئيس صدام والسفير
الأمريكية فان قرار احتلال الكويت ( و منابع البترول في بعض دول الخليج العربية )
كان مرسوما في ذاكرة عدد محدود جدا من القيادة في العراق استنادا لعدد من المعطيات
الداخلية والظروف الخارجية وأمور عديدة كانت تجري آنذاك في العراق نابعة من طبيعة
نظام الحكم الفردي وهوس أحلام السلطة المطلقة والقوة وعبادة الشخصية القائم على
الإرهاب المتميز و إنكار وجود الأخر والغدر ونكث العهود حيث تأكد ذلك بخطاب عضو
مجلس قيادة الثورة سعدي مهدي صالح التكريتي مع عدد محدود من أساتذة الجامعات
العراقية في بغداد في شهر سبتمبر 1990 أي بعد تنفيذ جريمة العدوان على للكويت .
وعلى آية حال انتهت المقابلة مع السفيرة (( غلا سبي )) بقولها أن الخلافات
الحدودية بين العراق والكويت ليست قضيتنا وهو أمر لا يعنينا بحد ذاته .فهل كان هذا
هو الضوء الأخضر أم الضوء الأحمر للزلزال ؟ أم كان فخا كبيرا اكتشفه الكثير من
المسؤولين العرب والمحللين ومنهم الدكتور مروان القاسم ( مستشار جلالة الملك
الحسين ) الذي طلب من طارق عزيز مرات متعددة بضرورة الانسحاب من الكويت وعدم
الوقوع في الفخ الخطير المنصوب للعراق ولكن لا حياة لمن تنادي .
قرار فردي لاحتلال دولة الكويت
على اثر انهيار مفاوضات الفرصة الأخيرة بين الوفدين العراقي والكويتي في جده والتي
عقدت في نهاية شهر تموز من عام 1990 وانهارت في 1 أب 1990 , حيث كانت التعليمات
الى الوفد العراقي المفاوض إفشال المفاوضات بكل صورة لان قرار الاجتياح كان مخططا
له أصلا منذ انتهاء الحرب مع إيران عام 1988 حيث لم تنجح وساطة الحكومة السعودية
في نزع فتيل الأزمة بين الطرفيين بسبب النية السيئة للوفد العراقي المفاوض , وكان
لابد من حصول الاجتياح للقوات العراقية ودخولها الكويت بالنظر لتأزم المواقف بين
الطرفين وسياسة الابتزاز وتنامي القوة العسكرية العراقية وبخاصة القوه الصاروخية
بعيدة المدى ولعوامل عديدة داخلية وعربية ودولية معروفة للجميع. بل ان القطعات
العسكرية العراقية كانت قد تحركت فعلا منذ شباط 1990 على الحدود مع الكويت مما
يدلل على النية المبيتة مسبقا على الاحتلال .
وفي هذا السياق كان الرئيس العراقي صدام حسين قد اصدر أوامره السرية للغاية منذ
شباط 1990 ( أي بعد عودته من عمان ) إلى 200 عنصر من القوات الانتحارية العراقية (
العمليات الخاصة ) بدخول دولة الكويت على شكل وجبات حيث استكملت وجودها في تموز من
عام 1990 وهي تنتظر الأوامر بالهجوم الانتحاري على بعض الأهداف الأساسية في دولة
الكويت ومنها قصر أمير دولة الكويت والعائلة الحاكمة و الإذاعة وبعض الأهداف
الحيوية والمهمة لتشكل بذلك رأس الرمح في الهجوم المباغت على المؤسسات الكويتية
وبخاصة السيطرة على الحكومة والعائلة المالكة الكويتية ومحاولة إلقاء القبض عليها
وذلك قبل أن تدخل القطعات العسكرية العراقية وقد حصلت هذه المجموعة على الأسلحة من
السفارة العراقية في دولة الكويت و من بعض الأشخاص المقيمين في الكويت ممن يحصلون
على الدعم من النظام آنذاك .
وقد كان من بين هؤلاء العناصر الانتحارية المدعو العميد محمد فارس كاظم كامل الذي
عمل فيما بعد مستشارا ثقافيا في السفارة العراقية في لبنان وقاد عملية اغتيال
المرحوم الشيخ طالب سهيل التميمي في بيروت عام 1994 وهو من فرق الإعدام ومنسوب
للعمليات الخاصة و سبق أن زار الأردن متخفيا اكثر من مرة قبل وبعد عملية الاغتيال
للشيخ التميمي.
ومع بزوغ فجر يوم الخميس 2 أب من عام 1990 اندفعت القطعات العسكرية العراقية التي
كانت على الحدود على محاور ثلاث .وقد جاء الهجوم على دولة الكويت بصورة مفاجئة
للجميع , أي للشعب العراقي و للبلدان العربية ولحكوماتها و للعالم.بل أن هذا
الهجوم جاء مباغتا ومفاجئا حتى لبعض الأعضاء في القيادة العراقية ومجلس قيادة
الثورة .
فقد سبق أن وعد الرئيس صدام العديد من الملوك والرؤساء العرب وغيرهم من المبعوثين
انه لن يدخل الكويت ولن يقع في الفخ المنصوب له ولن يحل المشكلة بالقوة وفقا لبنود
ميثاق مجلس التعاون العربي ذاكرا لهم أن الأمر لن يتعدى عن كونه أزمة لابد أن تحل
ضمن إطار البيت العربي حيث ذكر هذا للرئيس المصري حسني مبارك شخصيا ولجلالة الغفور
له الملك الحسين ملك المملكة الأردنية الهاشمية والذي كان حريصا على حل الأزمة ضمن
البيت العربي وتطويقها قبل انفجارها .
في صباح يوم الخميس 2 أب وفي تمام الساعة الثامنة صباحا أذاع راديو بغداد خبر دخول
القوات العراقية إلى دولة الكويت . ومن الطبيعي أن عملية احتلال الكويت لم يكن
يعرف بها إلا عدد محدود جدا من القيادة العراقية لا يتجاوز عددها أصابع اليد .وهذا
يعني أن عملية التخطيط و الإعداد والتنفيذ لم تحصل إلا من الرئيس صدام , بل أن
رئيس أركان الجيش الفريق نزار الخزرجي وبعض الأعضاء المسؤولين في الدولة العراقية
عرفوا بخبر الدخول إلى دولة الكويت من المذياع. ولم تنجح جميع الوساطات العربية
والأجنبية لإقناع الرئيس العراقي في الانسحاب من الكويت . فأعطى الإنذار المعروف
من مجلس الأمن للانسحاب وإلا تعرض العراق إلى العمل العسكري و طرد القوات العسكرية
بالقوة من الكويت ( القرارات 660 في 2 أب 1990 و 661 و663 و664 و665 و666 و667
و669 و670 و674 و677 و678 و686 و687 لسنه 1991 ) .
ولما لم يستجب صدام لقرارات مجلس الجامعة العربية المنعقد في 10 أب 1990 و لا
لقرارات مجلس الأمن في الانسحاب من الكويت , تعرض العراق إلى كارثة الحرب في اضخم
معركة دفع الشعب العراقي ثمنها حيث ما تزال أثارها الى الآن يعاني منها جميع
العراقيين منتظرين الخلاص من الدكتاتورية وبناء أسس السلام والديمقراطية ودولة
القانون والعيش مثل باقي شعوب الأرض بحرية .
ففي فجر يوم 17 من كانون الثاني 1991 تعرض العراق للهجوم المدمر واستمرت الحرب حتى
28 شباط حيث قبل صدام بقرار وقف إطلاق النار وجلس ممثلي النظام في خيمة صفوان
الشهيرة التي فرط فيها النظام بالسيادة الوطنية وفرضت الشروط العلنية والسرية على
طرف غدر بالجار وخرب الدار لقاء بقائه في الحكم على بغداد وضواحيها .
انهيار أحلام بناء دولة المؤسسات الدستورية
في صبيحة يوم العدوان على دولة الكويت وقفت صامتا منتظرا نتائج الغدر بالجار
والهدر لثروات الدار و أبعاد المغامرة الجديدة متطلعا في وجوه البشر الذين أثقلتهم
الحروب واكتشفت أن الناس وهي تستمع إلى المذياع غير مصدقة لما يجري . إذ ما زالت
بنود ميثاق مجلس التعاون لم يجف حبرها على الورق وان الجروح التي تركتها الحرب
العراقية - الإيرانية لم تندمل بعد , هذا و أن الناس صارت تكره الحروب و الخدمة
الطويلة في الجيش بالإضافة إلى ما يتعرض المواطن من عذاب و إذلال في الخدمة
العسكرية التي أصبحت بعيدة عن خدمة الوطن و الأهداف السامية . إذ يعرف المواطن
العراقي أن الخدمة في الجيش العراقي لم تعد هي الخدمة العسكرية الإلزامية المعروفة
في الكثير من بلدان العالم في معانيها و مضامينها النبيلة و إنما صارت خدمة مذلة
للطاغية و للنظام ورموزه الذي ادخل العراق في حروب خاسرة ليس لها طعم ولا لون سوى
الكوارث , فلم تعد الخدمة العسكرية هي خدمة العلم ضمن المعاني السامية العليا
والتربية الوطنية التي تنمي روح الانتماء بالمواطنة لاسيما بعد ترسخ قيم التمييز
الإقليمي والطائفي و المذهبي والديني وهي سياسة خطيرة ومخربة للوحدة الوطنية حرص
النظام على ترسيخها فقد كنا نسمع - أثناء الحرب العراقية - الإيرانية - عبارة
حاربوهم بكلابهم !! وكان خال الرئيس ( خير الله طلفاح ) أول من أطلق هذه الدعوة
والتي يقصد بها (( حاربوا الفرس المجوس بكلابهم من الشيعة في العراق )).
إنها سياسة افتعال الأخطار و إطلاق الشعارات التي غادرها الزمن للبقاء في السلطة
بأي ثمن فالأحلام التي كنا نتخيلها ونتحدث عنها في الاستفادة من الدروس والعبر من
الحرب مع الجارة إيران وفي بناء دولة القانون والمؤسسات الدستورية و الدستور
الدائم واحترام حقوق الإنسان واستقلال القضاء وتحسين المستوى المعيشي للبشر في ظل
مجتمع مدني متعدد ومتسامح وغيرها من الأحلام المشروعة للناس ذهبت أدراج الرياح فقد
انهارت هذه كلها ولن تعود , فالحرب هذه المرة ستكون غير الحرب التي جرت مع إيران .
ثم دارت في رأسي أسئلة كثيرة منها , هل أن الأمريكان أعطوا الكويت إلى الرئيس صدام
مكافئة على حربة ضد إيران ؟.. أم هو مجرد قرار فردي طائش مثل باقي القرارات التي
تعود عليها الشعب العراقي ؟..وكيف يمكن معالجة هذا الجرح الجديد بينما لم يندمل
بعد جرحنا القديم ؟ وهل أن الرئيس صدام قادر على ابتلاع دولة الكويت و أحكام
السيطرة على 10% من نفط العالم ؟ وهل يا ترى أن العراق بحاجة إلى المزيد من أبار
النفط لكي ينعم الرئيس القائد بالخير و المكارم على شعبة كما وعدهم بذلك قبل عملية
الاحتلال ؟. وغيرها من الأسئلة التي رحت مثل غيري من المواطنين الذين يحلمون بدولة
لا حروب فيها ولا تعرف غير السلام والتسامح وبناء الإنسان واحترام حقوقه وأسئلة
أخرى كثرة يعجز الإنسان عن فك رموزها .
ثم تسألت عن مصير مشروع الدستور الدائم الذي شاركنا فيه وجرت مناقشات حوله عام
1988 وحول التعددية السياسية والأحلام في دولة القانون والمؤسسات الدستورية في
العراق التي كنا نسمع عنها وننتظر ولادتها إلى النور ؟ هذه الأحلام التي كنا نطالب
بها مع غيرنا من الناس منذ مناقشات إصلاح النظام القانوني التي جرت بحضور صدام عام
1976 في بغداد .
كان الشعب العراقي -الأغلبية الساحقة - ينتظر من القيادة العراقية المزيد من
الإيضاحات عن الدواعي والنتائج والحسابات , وقد ظهر سعدون لولاح حمادي ( رئيس
المجلس الوطني آنذاك ) ذاكرا من على شاشة التلفزيون العراقي قائلا ( ألان وقد اصبح
تحت سيطرة العراق 10% من نفط العالم وبذلك سيكون لنا دورنا و سيكون بإمكاننا تسديد
ديوننا الناتجة من الحرب مع إيران خلال 5 سنوات بدلا من 10 سنوات ).
وبعد أيام من ذلك صرح عضو مجلس قيادة الثورة سعدي مهدي صالح في اجتماع اجبر على
حضوره أساتذة الجامعات العراقية في بغداد قائلا :( الكويت هي لقمة سائغة وما علينا
إلا أن نشرب عليها الماء لكي نبلعها , أما Boush - ويقصد الرئيس الأمريكي -
فهو ليس إلا بوش - أي فارغ في اللهجة العامية العراقية-.. وان هذه اللقمة سوف
تتبعها لقمات أخرى وما عليكم إلا الصبر و الانتظار ).
و بينما تعالت الهتافات والتصفيق في القاعة من البعض , شعرت - وكذلك بعض الحضور -
بأننا في عالم أخر , ولا ادري لماذا تذكرت فورا إحدى المسرحيات الهزلية التي شاهدتها
في أواخر الستينات في بغداد حين كنا نفرح ونصفق للمشهد الهزلي الذي كان يؤديه
الفنان وجيه عبد الغني . كما استشعرت من بعض زملائي الأساتذة مشاعر الحزن والألم
لما جرى وسيجري وكنا نتحدث بلغة المشاعر الحذرة دون أن ننطق بكلمة واحدة خوفا من
الوشاية ثم الموت . ومما يتعلق بذلك ما قاله عضو مجلس قيادة الثورة في الاجتماع
المذكور ( نحن لا نثق بكم يا من تفكرون بعقولكم لآن الثورة تريد من يؤمن بها بقلبه
ويعطيها عواطفه دون حدود وانتم لا تعطون العواطف لأنكم من أصحاب العقول فالثورة
ليست بحاجة لكم و إنما للجماهير !! ).
وفي أيلول من عام 1990 أمر الطاغية على جميع العراقيين ومنهم الأساتذة الجامعيين
تسجيل أسمائهم كقوات انتحارية للكويت وكان الهدف من ذلك مايلي :
1ـ اكتشاف الأشخاص الرافضين لعودة ( الفرع إلى الأصل ! ) أي احتلال دولة الكويت
وضمها إلى العراق و إنزال أقسى العقاب بهم . لآن من لا يؤيد ذلك يعصي أمرا من
القيادة العليا في مواجهة الخطر الخارجي و عندئذ يوصفون بالمتخاذلين أو الخونة ثم
إنزال العقاب بمن يتحدى الأوامر والوضع الجديد .
2ـ ترسيخ قواعد الطاعة العمياء للنظام وهي إحدى أسس الدكتاتورية للقبض على السلطة
وديمومتها من خلال ممارسة إرهاب الدولة.
3ـ توجيه تفكير الشعب نحو الوضع الجديد بدلا من التفكير بالجروح البليغة التي
خلفتها الحرب مع إيران.فالنظام يحرص دائما على افتعال الخطر الخارجي أو الخطر
الداخلي لغرض إحكام القبضة على السلطة وهي جزء من سياسة الطغيان عبر مختلف مراحل
التاريخ . وهي ذات السياسة التي انتهجت بعيد احتلال الفاو عام 1986 حيث أمر صدام
تجنيد أساتذة وطلبة الجامعات العراقية كقوات انتحارية للقتال في الفاو واستعادتها
من المحتل ( المجوسي ! ).
وعلى اثر احتلال دولة الكويت حددت لبعض الأشخاص في أيلول من عام 1990 مهام من
القيادة لتنفيذ وإعداد اكبر حملة ( لمسرحية التطوع للجيش الشعبي ) للدخول إلى دولة
الكويت لدعم القطعات العسكرية العراقية المتمركزة في الكويت تحت تسمية (( القوات
الانتحارية )) , وذلك كمحاولة لغرض زج البشر في طاحونة جديدة يكون الشعب رغما عن
إرادته هو الدرع للنظام . وفي المقابل كلف بعض الأشخاص بالقيام بنهب المؤسسات
الكويتية بالتعاون مع العراقيين العاملين في الكويت قبل الاحتلال .
ولعل اكثر ما تألمنا له أن يقوم بهذه الجريمة البعض من الأكاديميين وبالتعاون مع
الأكاديميين العاملين في جامعة الكويت بعملية سرقة محتويات الجامعة وقيام آخرين
بأعمال يندى لها الجبين وليست من أخلاق العراقيين ولا حتى البدو في غزواتهم
العربية , في حين أفتى بعض الناس بحرمة التعامل بهذه المسروقات ومنهم العديد من
رجال الفقه وغيرهم , بل أن بعض الناس كان ينادي بحرمة قراءة كتاب مغصوب أو مسروق .
ومن المعلوم أن حزب البعث في العراق تحول من تنظيم عقائدي قومي إلى ذيل تابع إلى
الأجهزة الأمنية ثم إلى جهاز أمني يخدم عائله ومن ثم إلى تحول فيما بعد إلى أداه
في خدمة شخص واحد . فالكادر الحزبي و الكادر المتقدم كان همهما الأول كسب
الامتيازات المادية وتنفيذ الأوامر بدقة لصالح هذه الأجهزة , وقد كان الهاجس
الأساس لهذه الكوادر جلب اكبر عدد من الأشخاص ومهما كانت مواقعهم الوظيفية
والعلمية لزجهم في أفواج ما يسمى بالجيش الشعبي ثم الادعاء أن هؤلاء هم من
المتطوعين في قواطع الجيش الشعبي الذين قبلوا التطوع لمسك الأرض في الكويت
والتضحية من اجل هذا الهدف الذي تحدد من القيادة وبخاصة من الطاغية .
ولهذا فان من يجلب اكبر عدد من البشر سيحقق اكبر حظوة أمام هذه الأجهزة الأمنية
وينال من الامتيازات ومن المكاسب الكثير لأنة أنجز أو نفذ ما تريده القيادة للوصول
إلى أهدافها. بل أن بعضا من الأشخاص حتى ممن يحمل شهادة عليا ذهب إلى اكثر من ذلك
حين قبل تنفيذ أوامر مخالفة حتى للقواعد الإنسانية و للقانون و شارك في حملات
التفتيش للبيوت الآمنة في بعض المدن العراقية الرافضة لعبادة الصنم وفي حملات
الإعدام الفوري دون محاكمة للرافضين لمثل هذه الحملات ولما يسمى بالتطوع للجيش
الشعبي وكذلك في عمليات التعذيب و الضرب و الوشاية .
ولاشك أن في مثل هذا العمل يتنافى مع كل القيم الإنسانية و القانونية مما افقد كل
احترام لمن نفذ مثل هذه الأعمال غير الشريفة والمخالفة للدستور لاسيما إذا كان
المنفذ لها ممن يحمل شهادات عالية . حيث لا يعقل أن يتداخل العمل الأكاديمي و
العمل السياسي أو العمل الأكاديمي و العمل الأمني الفني . كما أن هؤلاء لا يمكن أن
يفلتوا من العقاب ومحاسبة القانون .
أن أحد أسباب انهيار التعليم في العراق هو هذا التداخل الخطير وغير المبرر مطلقا .
كما أن من الصعب على كاتب هذه السطور أن ينسى ما تعرض له من إذلال وضغط وتعذيب
نفسي من لجان التحقيق المختلفة لمجرد رفضه التطوع في ما يسمى ب الجيش الشعبي لدعم
( أم المعارك ) ولولا عون ودعم بعض العناصر الخيرة آنذاك و الذين سبق أن نجوا من
عقوبة الموت أيضا عام 1979 لكان الإعدام هو المصير المحتوم. فالإعدام في العراق من
العقوبات المألوفة حتى عن حالات الشك ولا حاجة إلى نص قانوني لغرض ايقاعها على أي
شخص .
الحسابات الخاطئة
كانت الحيرة تلف كل العراقيين بعد الغدر بالجار الثاني وأمام تعنت الرئيس صدام
بعدم الانسحاب من الكويت اخذ العديد من المسؤولين العراقيين يصرح - بصورة غير
رسمية - أن الحرب لن تقع مطلقا . غير أن ما كان يراه الكثير من المختصين والمهتمين
آنذاك هو غير هذا .إلا أن من ينظر للحقيقة ويعرفها لا يستطيع قولها .
جمع عميد إحدى الكليات العديد من الأساتذة في شهر كانون الثاني من عام 1991 , لغرض
استطلاع الآراء أو لمعرفة اتجاهات التفكير والتوقعات والتثبت من الولاءات وربما
قراءة الوجوه لحالة ما بعد العدوان على الكويت, إلا أن الجميع لم يعط الرأي
الواقعي و المنطقي و لاذوا بالصمت عدا شخص واحد قال (( العراق سيدخل حربا غير
متكافئة وسوف يدمر تدميرا كاملا وان نتيجة ذلك هو تجزئة العراق إلى أجزاء وان
الدليل هو الحشود الكبيرة أولا في الخليج ولان الدول التي تخوض حروبا ضروس لابد أن
تتجزأ والدليل على ذلك ما حصل مع ألمانيا و كوريا )). فكان وقع كلام زميلنا هذا
مثل القنبلة التي كسرت حاجز الصمت والخوف حيث كان يتحدث وكأنه يعرض مسلسل كتب هو
أحداثه بعناية ودراية.
النهب والسلب وانهيار القيم الأخلاقية
من المعلوم أن انهيار القيم الأخلاقية وقواعد الفضيلة و إهدار حقوق الإنسان هي من
أول نتائج الحروب ولذلك فان النهب والسلب و الاغتصاب و السرقة والغش والأنانية وارتكاب
الجرائم تزداد وقت الحروب عنها في وقت السلم وفي ظل مجتمع مدني ,ولهذا ليس غريبا
أن يشجع النظام عمليات السلب والنهب و السرقة و الجريمة أثناء الاحتلال أو أثناء
الانسحاب من دولة الكويت , غير أن مما كان يلفت الانتباه ويثير الاشمئزاز هو ما
ارتكبه بعض أساتذة الجامعات من جرائم تتنافى والقيم الدينية و الأخلاقية والقانون
وشهادة العلم العالية , بل أن بعضهم كان يعمل في الكويت سنوات طوال ولا ندري كيف
استطاع أن يوجه سهام الغدر ويمارس ابشع صور الخيانة والأعمال اللاأخلاقية حين مارس
السلب و النهب بحجة إنها غنائم حرب ؟
ما هي النتائج و الدروس من عاصفة الصحراء ؟
أن من أهم النتائج التي تركت أثارها على الشعب العراقي استمرار وجود الحصار الذي
يعد من طرق إبادة الجنس البشري التي يحرص النظام على ديمومته واستمراره واستغلاله
دعائيا . وكذلك تدمير البنية التحتية وانعدام الخدمات للمواطنين والتفريط بالسيادة
الوطنية و إهدار الثروة الوطنية .وكذلك كسر حاجز الخوف وقيام الكرد في كردستان
العراق و أبناء الجنوب والوسط في الانتفاضة الباسلة ضد الطغيان في آذار 1991 أي
بعد وقف إطلاق النار مباشرة .
كما من نتائج عاصفة الصحراء هروب عشرات الآلاف من العقول العراقية والطاقات الشابة
بحثا عن الحرية و الأمان والاستقرار وهو خسارة كبيرة للعراق يتحمل النظام
المسؤولية عن إهدار هذه الثروة الوطنية . فضلا عن شيوع الجريمة وهدر مبدأ استقلال
القضاء وانعدام المساواة بين المواطنين وازدياد انتهاكات حقوق الإنسان بصورة لم
يشهد لها التاريخ مثيلا وفقا لتقارير المنظمات غير الحكومية والمحايدة .
وإذا كان ليس من السهل حصر نتائج ودروس عاصفة الصحراء في نقاط محددة , ذلك لان ما
حصل للعراق هو كارثة لم يعرف شعب من الشعوب نظيرا لها إذ ما تزال بعض آثار هذه
الكارثة غير معروفة حتى ألان, إلا أن من المؤكد أن حكم الفرد ونظام عبادة الشخصية
والاستبداد يقود حتما إلى الكوارث.
أن انتهاء سلطة القانون تعني حتما بداية الطغيان و إلحاق الأذى بالآخرين . ولعل
أهم الدروس المستقاة من عاصفة الصحراء هي أن انعدام وجود المؤسسات الدستورية وشيوع
الخوف و إهدار حقوق الإنسان وإرهاب الدولة وشيوع الظلم يقود إلى الكوارث على
الشعوب وان المسؤولين عن هذه الكوارث لابد أن يحاسبوا أمام محكمة جنائية دولية عن
الجرائم الدولية التي ارتكبوها طبقا لمحاكمة عادلة ووفقا للأدلة القانونية
والوثائق الثابتة بهذا الخصوص . فالعراق ليس ملكا لشخص أو لعائلة أو جماعة و لن
يكون و إنما هو ملك للعراقيين بكل قومياتهم ومذاهبهم وأطيافهم ودياناتهم في الحاضر
و المستقبل .
ونعتقد أن من الحكمة والعقل التمييز في الخطاب الإعلامي بين النظام في بغداد الذي
يتحمل المسؤولية عن هذه المأساة الإنسانية وبين الشعب العراقي الذي لا ذنب له فيها
تحت سياط الدكتاتورية المعروفة بقسوتها , وان استمرار الحصار ضد الشعب العراقي هو
وسيلة بشعة ضد وجود البشر وطريقة تعني معاقبة الضحية وترك الجلاد المسؤول عن
الجريمة الكبرى وهو أسلوب يشجع على إيجاد مناخ للتطرف والتعصب والكراهية وعدم
الاستقرار .
ومن الدروس المستقاة أيضا , أن استخدام القوة في حل المشاكل و الأزمات بين الدول
هو خطأ بليغ سواء أكان القائم بهذا العمل دولة واحدة أم اكثر إذ لا يجوز تعريض
الأمن والسلم الدوليين من خلال النزاعات المسلحة والحروب التي يدفع ثمنها المدنيون
و الأبرياء وان هناك وساءل عديدة لمحاسبة المجرمين الدوليين والأنظمة السياسية
التي ارتكبت الأخطاء وهناك عقوبات ذكية تقوض الأنظمة التي تنتهك القانون ولا تؤذي
الشعوب المغلوبة على أمرها وتسهم في عملية التغيير .
أن من أولى الواجبات القانونية والأخلاقية على المجتمع الدولي هو مساعدة الشعب
العراقي للتخلص من الطغيان وبناء المستقبل القائم على حكم القانون والديمقراطية
والتعددية والمؤسسات المدنية الدستورية ونبذ الحروب بجعل العراق دولة محايدة من
اجل أن ينعم شعب العراق وشعوب المنطقة بالسلام والأمن والاستقرار .وان من يتوهم ان
نظام صدام قابل للتأهيل عريبا ودوليا وبأنه سيستفيد من الأخطاء ( الجرائم التي
ارتكبها ) فهو جاهل او متجاهل سيحاسبه التاريخ أولا والشعب العراقي ثانيا.
-------------------------------------------------
·أكاديمي عراقي مقيم في السويد