القضية الكردية
والعلاقات العربية الكردية
اذا نظرنا الى الحقائق والتاريخ من
زوايا متعددة فاننا يجب ان نسجل الامور التالية:
1-
يجب ان نسجل،
ابتداءاً، بان الشعب الكردي - في عموم كردستان - هو ليس اقلية او جالية او مجموعة
قبائل او مجرد رجال جبال او اجيال من المهاجرين استقر بهم المقام على رقعة ارض، بل
هو شعب اصيل سكن هذه البلاد منذ العصور السحيقة. فهم هناك منذ القدم، ولا يستطيع
اي شعب يجاورهم، او يخالطهم اليوم ان يقول بانه سبقهم الى هذه الارض او اقام فيها
قبلهم. انهم شعب كبير وعظيم شأنهم
شأن العرب والترك والفرس كشعوب كبيرة لها تاريخها المجيد والتي تشكل قومياً احدى
اهم تلاوين هذه البلاد. وهم من حيث الاعداد والجغرافيا والمقومات الثقافية
والاجتماعية والتاريخية يتمتعون بكامل الحق في تقرير امورهم وشؤونهم وحاضرهم
ومستقبلهم ومصيرهم بدون تدخل او وصاية او استعلائية معلنة او مضمرة. الكلمة
الاخيرة يجب ان تعود لهم كما ان الكلمة الاخيرة لدى العرب او الفرس او الترك هي
لهم ايضاً. و اذا لم يتمتعوا باستقلالية وحرية القرار فانهم لن يتمتعوا بمسؤوليته
ايضاً، شأنهم في ذلك شأن اي شعب اخر.
2- الشعب الكردي شعب مسلم يعيش اسلاميته
ويشارك امته الاسلامية قضاياها وهمومها وتطلعاتها. وان وجود مسيحيين او اشوريين او
يزيديين اكراد او غيرهم لا يغير من طبيعة الشعب المسلمة ثقافة وهوية ودينا،ً كما
لا يغير وجود قوميات اخرى تعيش بين ظهرانيه من هويته القومية الكردية.
3-
يعيش الاكراد
اليوم التركيبات السياسية التي افرزتها نتائج الحرب العالمية الاولى وانهيار
الدولة العثمانية. لقد اُسست دول وطنية امتزجت العوامل الاستعمارية والحقائق
التاريخية والارادات الوطنية (بنسب مختلفة) في قيامها بالشكل الذي قامت عليه..
فصار الاكراد مواطنون يتقسمون على دول عديدة.. وهم خلافاً للقوميات الاخرى في
المنطقة كالترك والعرب والفرس لا تنظم شؤونهم دولة مجزأة او موحدة، صغيرة او
كبيرة.. وهذه اشكالية معقدة من مصلحة الجميع التصدي لها وتقديم التصورات والحلول
المناسبة.
اسس رئيسية في العلاقات العربية
الكردية
اولاً: الاكراد شركاء في الوطن..
والشراكة تعني ضرورة التمتع بمزايا وقوة الاتحاد وقدراته. ولانها يجب ان تكون
شراكة حرة واعية فانها يجب ان تتضمن حق تقرير المصير، والا فهي الالحاق والاخضاع..
فهي شراكة تقوم على الالفة والمصالح والتعاون لا على الحروب والمؤامرات
والاستبداد.
والامم والشعوب المحرومة والمظلومة
–كالامة الكردية والامة العربية- لا تبني مستقبلها ولا تنظم شؤونها انطلاقاً من
مشاريع الاخرين ووعودهم وشعاراتهم التي تدعي امراً وهي تقيم على ارض الواقع امراً
مخالفاً، ولا تنظم شؤونها انطلاقاً من المخاوف والحساسيات واالاوهام والاسقاطات
والحقائق المجتزأة ، بل يجب ان تبني حاضرها ومستقبلها وهي تعي ظروفها من جهة ومن
جهة اخرى تعي المرتكزات الصلبة والجذور الراسخة التي تقوم عليها
امانيها ومصالحها وما يسمح لها بالنمو والازدهار والتعبير عن الهوية وبناء
كامل مركباتها العقيدية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والثقافية
وهلمجرا.
والامم لا تبني على الكلمات الفارغة
او على المخاوف والاسقاطات، بل تجرد حقائق الواقع وما زرعه التاريخ وما تضغط عليه
اماني المستقبل من اثقال وقوى ومركبات تتحرك منه وبه للوصول الى تحقيق المرامي
والمصالح. وللاسف الشديد فان ما تحرك لحد الان في هذه المسائل هو الامر الاول.. اذ
تحركت الوعود الفارغة والمخاوف والاسقاطات ولم تتحرك المصالح والتقديرات الصائبة..
ويجب ان نسجل هنا بان ردود فعل الاكراد او مخاوفهم وحساسياتهم هي امر ثانوي ومشتق
صنعتها سياسات الظلم والاستبداد التي رافقت مراحل متعددة ليستعبدوا مرة باسم
الاسلام كما في نهايات المرحلة العثمانية، ومرة باسم الحضارة كما في بدايات
المرحلة الاستعمارية وتأسيس الدول القومية التي ورثت الدولة العثمانية، ومرة باسم
الوطنية وعدم تقسيم الوطن الواحد كما في الظروف الراهنة، او جميع هذه الامور
مشتركة.
يجب ان ندرك بان من حق الكردي ان يطمح
الى تأسيس دولته و توحيد وطنه، او اي مشروع اخر كالحكم الذاتي او الفيدرالية يراه مناسباً لحماية هويته وضمان
مصالحه، كما يطمح الوطنيون
والقوميون والمسلمون او غيرهم الى تأسيس دولتهم او اممهم او اي مشروع اخر يرونه مناسباً لحماية هويتهم وضمان مصالحهم. لا
يمكننا ان نمنح هذا الحق لانفسنا ونفتش عن شتى الاعذار لنحرمه عن غيرنا. وان البعض
يطرح الحل العقائدي بعيداً عن تطبيقاته العملية او مستلزماته ومستوياته و مراحله
المختلفة، كالقول ان الاسلام يضمن العدل والمساواة بين الجميع. هذا صحيح من حيث
المبدأ. ولكن لتحقيق هذا الهدف فانه يجب توفير الارضية التي تسمح بتحقيق مثل هذه
الاهداف. واهم ارضية يجب ان تتوفر في هذا المجال هو السماح للمكونات -افراداً
كانوا ام شعوباً- ان يستكملوا خصائصهم وصفاتهم، ويشعروا بخصوصيتهم ليشعروا
بجماعيتهم واجتماعهم ومحيطهم. من هنا حكم التاريخ بالفشل على اي حل – اممياً كان
او باسم المدنية والحضارة او باسم الدين او القومية او الوطنية- استهدف الغاء
الهوية او الذات او القفز عليهما وطرح الحلول البعيدة قبل انجاز مراحل استكمال
الخصائص وتوفر الشعور النهائي بالاكتمال الداخلي والذي بمفرده ما يسمح بالانفتاح
بكل ثقة نحو خارجه وعلاقاته..
ويخطىء من يعتقد ان مسألة الذات والهوية هي مجرد مسألة قومية.
انها مسألة الانسان والشعوب والناس والامم.. وهي جوهر فكرة العدل والظلم سواء في
مسألة النظام السياسي والاجتماعي او في علاقة التكوينات البشرية والشعوب بعضها
بالبعض الاخر. ونجد في اسس الفكرة
الاسلامية تأكيدات على ان معرفة الـ "انا" تقود لمعرفة الـ "هو" والعكس صحيح
بالضرورة: ففي القرآن الكريم يرد: {سنريهم آياتنا في الافاق وفي انفسهم حتي يتين
لهم انه الحق} {وفي انفسكم افلا تبصرون}..وفي الحديث الشريف "من عرف نفسه فقد
عرف ربه ومن عرف ربه فقد عرف نفسه". ودخل رجل على رسول الله "ص"
فقال: يارسول الله كيف الطريق الى معرفة الحق؟ فقال: "معرفة النفس"..
وعن الامام علي (ع) "من جهل قدره فقد جهل كل قدر"..فالدين في بحثه عن ما
يأمر به معروفاً وما ينهى عنه منكراً، هو بحث عن الفطرة السليمة والسجية الصالحة
والصبغة الحسنة والاصطفاء الخالص والتقوى الملهَمة والسنة الحنفية. وهذه وغيرها هي
من اسس الفكرة الاسلامية التي تسعى لتحريك الخصائص ومخاطبة الصفات او ما زرعه الله
سبحانه وتعالى في النفس البشرية وفي الناس والشعوب. واننا كافراد وكشعوب او
كمسلمين وكابناء بشر والذين نقاتل جميعاً
من اجل تأكيد ذواتنا وهويتنا بتعابيرها المختلفة ورفض كل محاولات مسخ
شخصيتنا يجب ان نشعر بالخجل من المواقف الظالمة التي يتخذها بعض ابناء جلدتنا او
ابناء ديننا ازاء اخوتنا في الوطن والدين من الاكراد عندما يحاولون تأكيد ذواتهم
بتعابيرها المختلفة ورفض محاولات مسخها.. اذ بدل ان نتفهم ونؤيد مطالب الاكراد
العادلة باعتبارها جزءاً من مطالبنا نرى البعض يخترع شتى الحيل ليحرم عن اخيه ما
يحبه لنفسه. بل ذهب بعضنا ابعد من ذلك ولم يكتف بعدم التاييد بل انتقل عملياً الى
الموقف المعاكس ليشكل رصيداً فكرياً واخلاقياً وسياسياً لاولئك الذين يحاربون
الاكراد بالكلمة وبالسيف.. فكم من
حكومة عربية، بل من قوة عربية او اسلامية، سكتت بل اقرت استخدام اعمال القتل والتهجير
التي قامت بها الحكومات العراقية ضد شعبنا الكردي والتي بلغت ذروتها مع سياسات
صدام حسين واستخدامه للاسلحة الكيماوية ولحملات الانفال ولاعمال القتل الفردي و
الجماعي ولتهجير الاف الاكراد من مناطقهم او للاستيلاء عليها، ولاتهام الاكراد
بشتى التهم والاباطيل، مما يحز في النفوس ويدمي القلوب.
يشكل الشعب الكردي نسبة كبيرة من سكان
البلاد. فهم ليسوا اخواننا الصغار او سكنة جبالنا. انهم ليسوا الاقلية ونحن
الاكثرية. انهم ليسوا ابناء الشمال ونحن ابناء الجنوب او الوسط.. ان جميع هذه
التسميات عندما تستخدم للانطلاق منها في بناء "التأسيسات" تصبح مسميات
مضللة يراد منها تغليب فكرة مضمرة لا تحمل الخير لا للعرب ولا للاكراد ولا لغيرهم
من ابناء هذا الوطن. فسكنة الجبال
"متخلفون" او رعاة وهم بحاجة الى وصاية.. وتسميات الشمال
والجنوب تستهدف تغييب الهوية.
فالمسألة جغرافية ولا تتعلق برسم علاقات بين امم وتنظيم روابط بين شعوب. اما مفهوم
الاقلية فيربي ضمناً على ان الامور قد حسمت ، فالاقلية يجب ان تخضع للاكثرية ولا
خيار اخر غير ذلك. اي استغلال الية
سياسية واعطائها ابعاداً تأسيسية
واجتماعية. الاكراد شركاء كاملو الحقوق في هذا الوطن بدون وصاية او استعلاء او
افكار مضمرة. هذه هي الفكرة التأسيسية التي يجب البناء عليها بكل شروطها
والتزاماتها. ويجب ان ندرك بان اولى عناصر الشراكة والاشتراك ان كانت زواجاً او
مشروعاً تجارياً او سياسياً هو الحق المسؤول الذي يعي ظرفه ومصلحته في اقرار طبيعة
الرابطة او العقد، بما في ذلك الحق المسؤول الواعي في تقرير مستقبلها. لا شيء مقدس
في كل ذلك، ان لم يكن العكس هو الصحيح بمعنى ان المقدس قد اشترط حرية ومسؤولية
القرار. فاذا كان الدين والعقل والعرف والمصلحة وما اعتاد عليه الناس لضمان حقوقهم
وتحقيق الاطمئنان لديهم بعدالة التزاماتهم، نقول اذا كانت كل هذه الامور تقر
بتنظيم العلاقات على هذه الاسس على الاصعدة الفردية والبسيطة، فكيف بالعلاقات بين
الشعوب. وان ما يميز بين موقفين هو ان البعض يتكلم عن الوحدة وهو يؤسس باعماله
ومواقفه اعلى درجات الشقاق و
الانقسام والانفصال.. بينما يتكلم الاخرون – ونحن منهم – عن اهمية المشاركة الحرة
غير القسرية، ونحن نسعى ونلح ونطالب ونكافح
من اجل الوحدة بارقى اشكالها ومضامينها.
ثانياً: يجب ان نسجل ايضاً بان
العلاقات بين الشعبين العربي والكردي في العراق لم تعتورها الكثير من التعقيدات
والمشاكل.. فالعلاقات بين ابناء الشعب هي في خطوطها العريضة جيدة، بل راقية..
وهناك عوامل عديدة ساعدت على عدم قيام توترات يعتد بها الا في بعض نقاط التماس
والتي تجعلها خلافات قبائل وحارات اكثر مما هي خلافات شعوب واوطان. فعرب العراق
شعباً وقيادات دينية وسياسية لهم مواقف قديمة و معروفة في استنكار الظلم الذي تعرض
ويتعرض له الاكراد وفي التضامن معهم ضد اعمال الحكومة في كل خطواتها واجراءاتها
الحربية والسياسية والفكرية. هناك فتاوى دينية ومواقف عملية من اية الله العظمى
السيد محسن الحكيم واية الله العظمى السيد الخوئي ومن الشهيد محمد باقر الصدر ومن
الشهيد عبد العزيز البدري وغيرهم بتحريم مقاتلة الاكراد. كما تضامنت مع الاكراد
معظم ان لم نقل جميع القوى والتيارات السياسية والفكرية في البلاد. ويجب التشديد
هنا بان هذه المواقف لم تصدر لكبح تيار شعبي معاكس بل هي تأكيد وتقنين لارادة الشعب
بالضد من ارادة الظالمين والمستبدين. فالحروب في كردستان لم يكن لها اية شعبية ولم
يناصرها سوى انصار السلطة ومثقفيها ومرتزقتها وبعض المتفلسفين الذين يعيشون خارج التاريخ والواقع والذين
يسقطون مخاوفهم واوهامهم على عقولهم ومصالح شعوبهم. بل نستطيع ان نقول ان الحرب ضد
الاكراد لم تكتسب اية شعبية حتى في الجيش نفسه. فاعلان الحرب على الاكراد كان في
الوقت نفسه اعلان الحرب على الجيش. اذ حسب التعبير الرائج الذي كان يردده بعض حكام
التعصب: " عجم يقتلون بعضهم. هذا كردي عجمي وهذا شيعي عجمي". وخلافاً
لرأي شائع لم تكتسب هذه الحرب شعبية
في صفوف الضباط الذين يشكلون اغلبية سنية. فالحرب كانت تعني بالنسبة
للغالبية الساحقة ابعاد السلطة لهم الى الجبال للتخلص من معارضتهم. ومن المفيد
التأكيد هنا بانه يجب عدم احتساب عربية او سنية رجالات السلطة على العروبة او
التسنن.. فعروبة عبد الناصر والاسد والقذافي والكثير من القوى لم تمنعهم من رؤية
الحقوق الكردية وتأييدها، ناهيك انها سلطة تضطهد العرب بشكل قد لا يقل عن اضطهادها
للاكراد وغيرهم. اما التسنن فهو موقف ديني ملتزم، فلو كان التسنن تربية او خلفية
حقيقية لسلوك السلطة ورجالاتها لوقفت مع السنة الاكراد بدل محاربتهم بهذا الشكل
الحاقد والشرس.. التلبس بلباس
التسنن والعروبة وغيرها من مسميات هو غطاء لاضطهاد كل ابناء الشعب من سنة وشيعة
وعرب واكراد وتركمان ومسلمين ومسيحيين، وعلمانيين ودينيين، ومدنيين وعسكريين. بل
ان المسؤول الذي غالباً ما يكون متعصباً في محاربة الاكراد وهو في السلطة يسعى الى
كسب ودهم عندما يتركها او يطرد منها. وذلك كدليل على ان نقطة التوتر والتأزم في
العلاقة مع الاكراد تأتي من موقع السلطة التي لا تمتل الشعب بل تمثل الاستبداد
بالضد من مصالح وحقوق البلاد. بمعنى انها دولة تتعارض مع اجتماعها، (كل اجتماعها)
وتحمل في جزء رئيسي منها العوامل
التاسيسية كما زرعها الاستعمار البريطاني وكما تطورت لاحقاً في رحم المصالح
المحلية والاقليمية والدولية على التبعية للخارج وحكم الاقلية ونظام التحكم
والاستبداد وطنياً واقليمياً.. وان مجمل المسائل المتعلقة بقضايا التوطين
والتعريب، او استخدام قوى ضد اخرى
هي سياسات تسعى فيها السلطة اضعاف الجميع والتمكن منهم لتعزيز هيمنتها
وسلطتها بالضد من اجتماعها. لذلك لم تجد مجمل هذه السياسات اي تأييد او تعاطف مع
الشعب وقواه التمثيلية.
بالمقابل لم يترك الاكراد فرصة الا وعبروا عن تضامنهم مع بقية
اخوانهم العراقيين او مع القضايا العربية.. ففي المسألة العراقية كان الاكراد
وقواهم المختلفة وخصوصاً ما مثله تاريخياً الحزب الديمقراطي الكردستاني وقيادته
التاريخية الملا مصطفى البرزاني سنداً عظيماً لمجمل قضايانا الوطنية في محاربة
الاستبداد والظلم. كذلك هو الامر مع الاتحاد الوطني الكردستاني بعد تأسيسه. كما
اشترك الاكراد في جميع مظاهر تأييد القضايا العربية، بما في ذلك القتال والموت من
اجلها، وخصوصاً قضية فلسطين انطلاقاً من حس اسلامي مشترك بالتأكيد، ولكن تضامناً
مع قضية العدل والوقوف ضد الاغتصاب والظلم ايضاً. وان ما يشير اليه البعض تلميحاً
او صراحة من ان الاستاذ جلال الطالباني هو ملكي اكثر من الملك في عمق علاقاته
العربية هو تأكيد لموقف ثابت اتخذه الاكراد في فهم ابعاد العلاقات العربية الكردية
وعمقها وتلاحمها. واذا كان البعض يتعكز على عدد من الحقائق والوقائع التي تظهر
اختراقات اسرائيلية او اجنبية في صفوف الاكراد، فان ردنا -ورد الواقع والتاريخ-
على ذلك هو ان هذه مجرد اخطاء وانزلاقات بعيدة كل البعد عن مصلحة الاكراد انفسهم.
وهي لا تمثل في نهاية المطاف الا سياسات قصيرة النظر تسقط بسبب قسوة الضغط وصعوبة
الظرف في اغراءات القوى الاجنبية واسرائيل لاستغلال الصراع بين السلطة والاكراد
وتحويله الى صراع بين العرب والاكراد. اننا لا نبرر لهذه الامور ولا نوافق عليها
ولكننا نسعى ان لا نسقط بدورنا في الفخ ونحول هذه السياسات -عندما تقع- وكأنها
جوهر السياسة والقضية الكردية. فالاختراقات الاسرائيلية والاجنبية في صفوف العرب
هي اكثر الف والف مرة مما حدث لحد الان في المسيرة الطويلة والمشرفة للشعب الكردي.
بل اننا نحمل قوى الاستبداد في الداخل مسؤولية هذه الاختراقات بخلق مثل هذه
الاجواء الخانقة والقاتلة والمأساوية التي تشوش من وضوح الرؤية وترغم كائناً من
كان للبحث عن حلول وافاق لقضايا شعبه بما في ذلك اللجوء للضرورات التي قد يكون
هناك ما يبررها، لكنها تتطلب اقصى درجات الحذر والوعي لمنع السقوط في بعض الاوهام
والتقديرات الخاطئة.
فاذا تركنا هذا الجانب في العلاقات
العربية الكردية واتجهنا نحو الجانب العراقي في العلاقات فاننا نستطيع ان نقرر
باطمئنان بان اعمال القمع والحرب والعزل لن يؤيدها الا الذين يقتربون من
مواقع الاستبداد ممالئة او منفعة عرباً كانوا ام اكراداً. وهذا استفتاء
حقيقي لمواقف الشعبين بعضهما من البعض الاخر. وهو مقلوب ما يجري في الدول العنصرية
كاسرائيل وبعض الدول الغربية حيث للعنصرية جذور تربوية وتاريخية وقيمية وشعبية
يعتبر الترويج لها احدى مصادر الصعود السياسي و الكسب الشعبي. لذلك نطالب بالتخلص
من نزعتين: الاولى وهي السعي لرفض بعض الاستنتاجات السريعة التي يقع بها البعض
بسبب اوضاع الخوف والحساسية فلا يرى لا عمق العلاقات بين الشعبين (او بين شعوب
المنطقة) ولا غنى تجاربنا التاريخية، والثانية وهي الحذر من اسقاط مفاهيم او شعارات غريبة قبل
التدقيق فيها بعمق لمعرفة الحقيقي والباطل فيها.
ثالثاً: خلافاً لما يعتقده البعض فان الفكرة
الاسلامية تقف كفكرة موازنة في هذه المسألة. فهي تساعد على تقرير المصير اكثر مما
تساعد على الوحدة القسرية ذلك اذا ما فهم الاسلام في معالجاته الميسرة وليس
المعسرة او اذا ما فهمت التجربة الاسلامية في بحبوحاتها الممتدة وليس في امثلتها
المجتزأة.. وقد لعب الاسلام تاريخياً هذا الدور.. اي اقام مناطق لها الكثير من
استقلاليتها وتعبيراتها الخاصة دون ان يضرب
دوائر الوحدة. ويستطيع المسلمون ان يفتخروا بانهم دخلوا القرن العشرين
وبلادهم تزخر بالانتماءات الدينية والقومية والالسنية والفكرية المختلفة، وهو امر
لا نجد له تطبيقات مشابهة في معظم المناطق التي حكمتها ممارسات لها خلفيات عقيدية
او فلسفية لاهوتية او وضعية يرتبط فيها تأكيد الذات بنفي الاخر كفكرة صريحة او
مضمرة لا فرق في ذلك.. فالاخر هناك لا وجود له الا اذا استطاع المقاومة وفرض
موازين قوى تسمح له بالبقاء. بينما الامر مختلف بالنسبة للاسلام رغم كل التشويهات
الذين يريدون وسمه بها. فهو يقر بالاخر ابتداءاً ويعتبر ان ذلك من سنن الله
والحياة. فلا اكراه.. ولكل دينه.. ولا فرق بين عربي واعجمي.. والجعل هو شعوب
وقبائل..و و و .. فالسعي لانتصار
الفكرة الاسلامية لم يقم، ويجب ان لا يقوم على نفي الاخرين، بل الى ترتيب المواثيق
والعهود والذمم لتعيش كل عقيدة او فكرة في محيطها وتتمتع بحقوقها ليأتي الشرع
مانعاً ان تتحول هذه الى عدوان على تلك او بالعكس. وان من ينظر الى التاريخ بدون عقد او اوهام سيجد ان الاسلام هو
الذي حمى هذه البلاد ليس من اعدائها الخارجيين فقط، بل اولاً وقبل كل شيء من
حكامها المتعسفين او من تياراتها المنحرفة بما في ذلك تلك التي ترفع لواء الاسلام.
فالاسلام يعلوا ولا يعلى عليه. فقد حكم باسم الاسلام ويتم الكلام كثيراً باسمه
ايضاً لكن ما سيظهر وينتصر في النهاية هو الاسلام الذي يحميه القرآن الكريم والسنة
المطهرة الذي لا بد ان يعلوا في نهاية المطاف ليصفي كل الاوهام والاسقاطات
والممارسات المنحرفة بما في ذلك تلك التي يقع فيها المسلمون انفسهم. ويستطيع المسلمون اليوم استنهاض هذه
الرؤية لحل المشاكل القومية التي هي واقع حياتي لا يمكن القفز عليه. وهذا يتطلب
التخلص من السقوط اسرى التصورات الخاطئة التي لا ترى الاسلام الا دولة مركزية او
لا ترى الاسلام الا كتكرار حرفي لتطبيقات الماضي دون النظر الى المضامين والواقع.
وهي مفاهيم سقط ويسقط فيه للاسف الشديد الكثير من المسلمين وغير المسلمين. يمكن
مقارنة الاسلام من الناحية التنظيمية والتاريخية و في خطه العام بالروابط او
التكتلات الدولية او الاقليمية او حتى بـ "العولمة" في عنوانها العام
وليس في اساسها ومراميها التي لنا معها نقاش اخر .. فعوامل الوحدة التي تقوم عليها
الروابط التي تجمع الشعوب قيمياً او جغرافياً او تاريخياً او عملياً حيث تستقر
المفاهيم والمصالح المشتركة هي التي تسمح بعوامل التمايز والاختلاف حيث تستقر
الخصوصيات وعوامل الهوية والقرارات المستقلة. فالاسلام يمكنه ان يكون واحداً من
اهم العوامل التي تسمح بالاطمئنان بان البحبوحة في جانب ستوازنها بحبوحة لا تقل
اهمية في الجانب الاخر.اي بدل ان ندخل قانون الانكفاء في الاتجاهين لا بد ان نحرك
قوانين الانفتاح في الاتجاهين ايضاً.
وهو ما يضفي عامل التوازن في كامل العملية فلا نذهب لا الى قطيعة ولا الى
اخضاع وقسر.
ويجب ان نشدد هنا بان استنهاض الرؤية
الاسلامية هو ليس شأن المسلمين الذين يتخذون الاسلام مرجعية سياسية وقيمية كاملة
لهم فقط، بل هو ايضاً شأن كل من له علاقة بقضية شعبه سواء استخدم الاسلام كمرجعية
في فكره وسلوكه او لم يستخدم ذلك. فكما ان على المرجعيين او المتشرعين ان لا
يقفزوا على الواقع القومي او اللاديني او
العلماني او غير المسلم، فان على الاخرين ان لا يقفزوا على الواقع الاسلامي
والتعامل مع شعوبهم بغير هويتها وقيمها الحقيقية. فالاسلام مقوم اصيل وداخلي في
حياة شعوبنا وهو لا يمكن ان يتم التعامل معه من خلال المخاوف والاسقاطات والتصورات
الوهمية. فهو - من اجل التشبيه- كالرابطة القومية او كالرابطة الوطنية، او غيرها من امور اصيلة نختلف ونتفق
حولها. اما هي فباقية، راسخة، نتغير نحن ونغير من ارائنا، وتبقى هي، تعرض نفسها
علينا خيراً نريد منها، فنحركها لمصلحتنا، او سوءاً نريد لانفسنا فنهملها ضياعاً
-دون جدوى كثيرة- الى غيرها.
رابعاً: يتفق الجميع بان مستقبل
النظام العراقي لا بد من بحثه. فالمسألة العراقية هي ليست مسألة صدام حسين بل
مسألة النظام الذي انتج وينتج من امثال صدام حسين. انها مسألة السلطة وتاريخها
وتركيبتها وطبيعتها وتوازناتها وضماناتها. ففي ندوة عقدت مؤخراً سأل احد الاخوة
الحاضرين سؤالاً يقول ما الذي يمنع في حالة حصول تغيير سياسي في العراق من العودة
الى تجربة الانقلابات العسكرية من
جديد. كان الجواب هو اننا يجب ان نعمل على احداث تغيير سياسي كامل يعيد للاجتماع
والمجتمع دوره في قيام السلطة وتركيبتها وتوازناتها. عندما تكون السلطة مفصولة عن
اجتماعها وتتحول الدولة الى كيان اقوى من المجتمع والشعب يصبح الوصول الى السلطة
مغامرة يطمح اليها الطامحون الذين يستطيعون عن طريق التآمر والانقلاب ليس امتلاك
الدولة ومقدراتها فقط بل امتلاك المجتمع والشعب والبلاد ايضاً. لذلك يجب ان نعمل
سوية على بناء سلطة تحوز ابتداءاً
على تمثيلية شعبية واجتماعية في تركيبتها ومقومات كيانها يصعب التآمر
عليها. اي سلطة لا تقوم على لعبة سياسية بل على شرعية اجتماعية اساسية ومتكاملة.
فان تآمرت السياسة واستولت على السلطة او بعضها فان مضادات الاجتماع ستتحرك لتطويق
التآمر والضغط عليه. سلطة تتمثل بها توازنات البلاد بمختلف اوجهها الدينية
والقومية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والتاريخية والاقليمية.. سلطة تقوم عل مرتكزات عدة وليس على مرتكز
واحد، يسهل الاستيلاء عليه مما يشجع المؤامرات والانقلابات، ويسهل الانقضاض عليه
مما يشجع نزعات التحصن والاستبداد والخوف المستمر من المؤامرة. سلطة هي محصلة
سلطات توازن بعضها بعضها لا سلطة ميزانها الوحيد هو السيف والكلمة المستبدة والرأي
الواحد. سلطة يمتلك كل ممثلي الكيانات والقوى والتركيبات والتلاوين الاجتماعية والسياسية
مفاتيحها ويشكل كل منهم عاموداً في تركيبتها وكيانها. سلطة لا تبدأ ببيان رقم واحد
لتنتهي بانقلاب، بل بعقد ووثيقة تأسيسية بين ممثلي الشعب والاجتماع. سلطة لا تعمل
لعقود وفق دستور مؤقت او مجلس قيادة ثورة او نظرية الحزب الواحد، بل سلطة تقوم على
تقاليد اجتماعية يصعب التآمر عليها لان شرعيتها لا تقوم على مؤامرة او تصور خاص
يفرض قسراً على المجتمع، بل على شرعية التمثيليات والتركيبات الاجتماعية وما تمثله
من وفاق وطني في اروقة وساحات الاجتماع قبل ان يصبح توازنات سياسية في صحن الدولة
وقاعاتها.. لا يعني كل ذلك ان الدولة ستتوقف حينذاك عن ان تكون ساحة للمناورات
والمؤامرات. فالحياة تعلمنا ان هذا امر مستحيل حتى في ارقى التجارب. ما سيتوقف هو
ذلك الطابع الشخصي اللاتمثيلي المركزي المستبد، لتحل محله تمثيلية اجتماعية اكثر
توازناً وعدلاً. فلا تعود الدولة مجالا اوحداً لتشكل القوة المادية والمعنوية
للمواطن، ان امتلك الدولة امتلك كل شيء وان عدمها عدم كل شيء. فكلما زادت مصادر
القوة المادية والمعنوية في المجتمع كلما وجدت المضادات لعدم استبداد الدولة وضعفت
عوامل التهالك للاستيلاء عليها من
وراء ظهر الشعب والاجتماع. فالانقلابات العسكرية لها مقومات والانتهاء منها للدخول
في مرحلة جديدة تتطلب مقومات ومستلزمات ايضاً. لهذا كله نقول باننا نواجه مرحلة تأسيسات لا مرحلة اهداف وشعارات.
تقوية الاجتماع الكردي خطوة في تقوية
الاجتماع العراقي
من هنا نجد باننا مطالبون لبحث مسألة
مستقبل السلطة في العراق بالانطلاق من رؤية المقومات التي تقف عليها هذه السلطة.
فالتجربة التاريخية تبين بان اس المشاكل يكمن في انتصار الدولة على المجتمع وفي
انقلاتها منه لتتغول عليه وتصبح هي المجتمع والوطن والامة. واننا نستطيع استثمار
الازمة الحالية السياسية والاجتماعية والفكرية لنعيد موضعة الامور في نصابها
الصحيح لكي نعيد التوازن باعادة اعطاء الغلبة والقوة للمجتمع وجعل قوة الدولة
والسلطة نتيجة لقوة الاجتماعات والمجتمع وليس على حسابه. لقد استعاد الاكراد
الكثير من عوامل اجتماعهم. ورغم كل مظاهر الازمة، بل بدليلها، فان بقية اطراف الاجتماع
العراقي يستعيدون بدورهم عوامل قوة اجتماعهم، وان كان ذلك بنسب مختلفة. اي اننا
نسير الى انهيار التوازن القديم القائم على تغول الدولة على الاجتماع نحو استعادة
الاجتماع والمجتمع لدوره بما في ذلك تقرير شكل السلطة والنظام الذي يريده. اننا
بالتأكيد قلقون ومتوترون تماماً من عملية التمزق والتشرذم وعوامل الازمة التي تعصف
بكل مناحي الحياة العراقية، لكن الامل والتفاؤل يملؤنا بان هذه الازمة هي مظاهر
ترافق عادة كل عملية موت وولادة. موت للنظام القديم البالي المستهتر المستبد الذي
يستقوي على اجتماعه وولادة نظام جديد تكون قوة دولته وسلطاته من قوة شعبه واجتماعه
وليس العكس اطلاقاً. لقد طرح الاكراد مشروعهم لشكل الرابطة التي يريدونها لانفسهم
في اطار الوطن الواحد متمثلة باطروحة الفيدرالية او الولايات او ما يتضمن الحفاظ
على مقومات الهوية والذات دون التفريط بالوحدة، بل على العكس تعزيزها وتوفير
اطاراتها المناسبة. وعلى ممثلي القوى السياسية والاجتماعية والفكرية ان يطرحوا
مشروعهم والبدء فوراً بنقاش ميثاقهم الوطني على صفحات الجرائد وفي الاجتماعات
الثنائية والجماعية. لا نقول ان هذه الممارسة مفقودة تماماً لكننا نعتقد بانها يجب
ان تصبح الهم الاول لان الوصول الى نتائج حاسمة فيها هو الذي سيشكل البديل السياسي
والاجتماعي للعراق. بكلمات اخرى يجب ان لا ننتظر عملية ازاحة هذا الحكم لنبدأ
بتوفير القواعد المفاهيمية لشكل الدولة والمجتمع الذي نريد. فاذا نجحنا في بناء
صورة واضحة للبديل الفكري والقيمي للسلطة والاجتماع والمجتمع الذي نتصوره فان العملية السياسية لابد
ان تعقب ذلك بالضرورة. واذا كان البديل الانتخابي وحرية الفكر والرأي وقوة
الاجتماع قد وجدت لنفسها ملامح جنينية بل واحياناً ناضجة في كردستان فان الامر ليس
غائباً في بقية اطراف العراق. ما على
المرء سوى ان ينظر بعينين ويتوقف عن النظر بعين واحدة ليرى بانه بجانب التمزق
والانقسام والضعف هناك الكثير من عوامل الولادة الجديدة وظهور علامات القوة
والامل. وان اختلاط المسائل هي مسألة طبيعية في مثل هذه المقاطع المعقدة حيث يترك
القديم بتوازناته وقوته وافكاره وصوره المعتادة المجال للجديد بكل تخبطاته وعثراته
وتأتأته لكي يحتل مكانه ليشكل قوى
التجديد والتغيير الاساسي المطلوب
اننا امام مقطع تاريخي نستطيع ان نسجل
فيه واحداً من اعظم انتصاراتنا، ان فهمنا فعلاً ظروفنا وتمتعنا كقوى سياسية
وكمفكرين ومسؤولين بخيال واحلام الانتصار والنجاح لنتخلص من عوامل التردد والخوف
وعدم الاندفاع لكل ما يشجع من عملية التغيير السياسي والاجتماعي في العراق. فالديمقراطية، و الفيدرالية، والحريات
الدينية والمدنية، والوطن الموحد المستقل الذي لا يعيش تحت الاستبداد او الوصاية
او الحصار او نظام العقوبات او
غيرها من حلول لن تصبح امراً ممكناً وحقيقياً وثابتاً ان لم تطرح مسألة العراق
ككل.. بخلاف ذلك سنفقد هذه الفرصة التاريخية لنسمح لخصومنا واعدائنا بتجديد انفسهم
و سنرتكب نفس الخطأ التاريخي الذي ارتكب خلال الثمانين سنة الماضية. اي ان نفتش عن
حلول جزئية ولا نبذل نفس الجهد في ايجاد الحلول العامة والكلية معتمدين على
الشعارات وحسن النوايا فقط. لقد سبق ان رفع شعار "الديمقراطية للعراق والحكم
الذاتي لكردستان". وقد برهنت التجربة التاريخية على الاقل بان قبول بعض القوى
لشعار الديمقراطية دون محتواه او مضمونه لم يقد في النهاية الا الى وضع تجربة
الحكم الذاتي نفسها على نفس المستوى من التطبيق فمنحت الشكل الذي سمح للسلطة
بالكلام عن منح الحقوق بينما لم تمنح الاكراد على ارض الواقع سوى الموت والدمار
والانفال والتشريد وصولاً الى استخدام الاسلحة الكيماوية ضدهم. فمع ديمقراطية
مزيفة ومراوغة لن نحصل الا على حكم ذاتي مزيف ومراوغ ايضاً. هناك ارتباك في
الاولويات وعدم دقة في صياغة الشعارات والمضامين. ودون ان نغبن احداً، يمكننا القول بان خلفية العملية كانت في
نظر السلطة هي: "بيعونا
ديمقراطية مشوهة وسنبيعكم حكماً ذاتياً مشوهاً". وهذه تجربة يجب ان لا نتعلم
دروسها فيما يخص المسألة الكردية فقط، بل يجب ان نتعلم دروسها كذلك فيما يخص كل
المسائل المذهبية والقومية والدينية والسياسية والاجتماعية التي يحاول البعض ان
يهرب من مناقشة مستحقاتها والتزاماتها ومتطلباتها بطرح الكلمات التي لا تقدم ولا
تؤخر شيئاً او بالاختباء خلف الشعارات والكلمات الكبيرة في معانيها والصغيرة في
تطبيقاتها وفعاليتها على ارض الواقع.
اوضاع العراق اليوم معقدة. فهناك ما
يسمى بمناطق الحظر الجوي وشتى اشكال التدخل الاجنبي.. وهناك الظروف الاقليمية
خصوصاً ما يتعلق بتركيا وايران وسوريا بما تحمله من عوامل مساعدة او مضادة. وهناك
العلاقات الداخلية في كردستان وعلاقة اكراد العراق باشقائهم من اكراد البلدان
المحيطة. وهناك مسألة الحصار.. وهناك مسألة السلطة في بغداد واستمرارها على نفس
سياساتها القديمة. وهناك مسألة العراق ككل والاوضاع التي وصل اليها بعد حربين
مدمرتين وتطور اوضاعه الداخلية والاقليمية. هذه امور ترتبط بعضها بالبعض الاخر.
لذلك نشدد باننا بحاجة الى نقاش تأسيسات وليس الى مجرد طرح حلول واهداف. فالاخيرة
لن يتم الوصول اليها ان لم نحسن طرح الاولى. لذلك حرصنا عندما مثلنا اية الله السيد
محمد باقر الحكيم والمجلس الاعلى في كردستان للاعوام منذ بداية 1993 والى نهاية
1995 ان نشدد في لقاءاتنا بالاخوة الاكراد باننا يجب ان نعمل على ربط قضايانا
بعضها بالبعض الاخر بشكل عضوي لكي نربط بين ملفاتنا ورؤانا بما يسمح في النهاية لان يجد كل ملف و
مكون مجالاته لتحقيق اهدافه بالتناغم مع الملف العام والرؤية الكلية.. بكلمات اخرى
فاننا نستطيع ان نباشر كشعب عراقي في حل قضايانا وليس انتظار كلمة السلطة في ذلك،
او انتظار تقلبات المستقبل دون ان نهيء ارضية مناسبة لمواجهته بشتى احتمالاته. وفي
ذلك نحقق امرين معاً: وهما الضغط على السلطة لنضخ فيها شتى المفاهيم الايجابية
التي لا بد ان تظهر بشكل او باخر عاجلا ام اجلا، وتوفير الارضيات والمفاهيم والاسس
الثابتة والاكيدة و الصالحة لسلطة بديلة اكثر عدلاً ولعلاقات بين شعوبنا اكثر
توازناً وانصافاً.. بكلمات اخرى، ان لم نستطع تحمل مسؤوليتنا من الان كاجتماع حقيقي فان معنى ذلك اننا نسعى
لتكرار التجارب السابقة التي تسعى الى بناء اجتماعها عبر الدولة فقط، فلا تحقق
النقلة النوعية المطلوبة لتغيير اوضاع بلادنا بما يسمح بتمتع الشعب بالمعاني الحقيقية
للاسلام وللحرية او الديمقراطية او الفيدرالية او الوحدة او غيرها من مطالب
وشعارات.
اننا نعلم بان مشاريع واتفاقات عامة وخاصة كثيرة قد طرحت، وهذه
تشكل باخفاقاتها ونجاحاتها رصيداً مهماً في طريق تقدم التجربة. ونشدد على اهمية
تعزيز التجربة في هذا الاتجاه وليس العكس.. اي ان نعزز مواقع الاجتماع والوفاق حيث
يصبح لكل كيان وتيار قرار حقيقي في قرار الكل لا ان يتحول كل تيار او حزب الى كيان
بذاته يقرر بمعزل عن الاخرين ليترك بقية الشركاء امام الامر الواقع ليس الا. وهذا
امر لا نخص به طرف دون اطراف بل نقصد به كل الاطراف العراقية مشتركين.
-
ان نقاتل وان
نعارض وان نفاوض مشتركين او على الاقل ان نبقي خطوط الاشتراك حتى وان اضطر بعضنا
للتفاوض او للتحارب. اي ان لا نقف في موقفين متعارضين ومتضادين بل في موقف له
ارضيات مشتركة رغم وجود اختلافيات تفرضها ظروف مشخصة. وهذا ينطبق في المسائل
الداخلية والخارجية على حد سواء.
-
هناك اليوم
منطقة كردستان المحررة التي تحكم من قبل قواها السياسية التي تمتلك تمثيلية
تاريخية وشعبية عالية. لا ينكر ان العراقيين -من غير الكرد- يعيشون في منطقة
كردستان في حرية تامة وان التعاطف معهم عظيم. لكن هذا لا يكفي. يجب ان يشعر
العراقيون – من غير الكرد- انهم ليسوا مواطنون من الدرجة الثانية بل مواطنون كاملي
الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. لذلك اقترحنا في حينها اهمية ان يكون
في ادارة الاقليم وفي وزارته مواطنون عراقيون بما في ذلك من العرب لهم رأيهم
وكلمتهم. اولاً بسبب وجود تواجدات سكانية لكل التلاوين العراقية في كردستان
وثانياً لتأكيد الرابطة العراقية المشتركة. هذه الممارسة هي الرد الكردي الواعي
والراقي والذي يبني للمستقبل رداً على ممارسات الاستبداد والاضطهاد التي حولت
الاكراد ليس في بقية اطراف العراق الاخرى بل في كردستان نفسها الى مواطنين من
الدرجة الثانية او الى جحوش وادلاء على ابناء شعبهم من الاكراد والعراقيين على حد
سواء. بالمقابل يجب عدم انتظار التغيير السياسي في العراق لكي يبرهن الاخرون عن
حسن نواياهم فيمنحوا الاكراد نفس المواقع وبنفس المسؤوليات في السلطات المركزية،
بل على ممثلي القوى الاخرى ان يعطوا للاكراد من الان موقعاً في قراراتهم. فلا تختط
لنفسها سياسات دون ان يكون للاكراد فيه كلمة محددة ومسؤولة وقادرة على تغيير
القرارات. وهناك سلسلة من الامور المشتقة من هذه المسألة. فمثلاً نحن نعي اهمية ان
يعوض الاكراد الاهمال الذي تعرضت له ثقافتهم ولغتهم.. لكننا لا نجد ان سبيل ذلك ما
يطرحه البعض من الغاء تعليم العربية مثلاً في المدارس الكردية، بل السبيل هو
المطالبة بتعليم الكردية في المدارس العربية. وكذلك الامر في عدد من القوانين التي
سبق لنا ان ناقشنا بعضها مع كبار المسؤولين الاكراد والذين شاركونا الرأي في
حينها، مع تفهمنا الكامل للحساسيات والظروف التاريخية وغيرها من مسائل معقدة لا بد
لاي مسؤول ان ياخذها بنظر الاعتبار.
-
ان يعتبر كل
طرف عراقي نفسه مسؤولا عن قضايا وهموم الاطراف الاخرى في القضايا الاساسية
والمشتركة، خصوصاً ما يخص القضايا السياسية.. لا يمكن ان نقسم العراق تمثيلياً ثم
نطالب بعراق موحد سياسياً او بقيام بديل ينجح في احداث تغيير سياسي اكثر عدلاً
وانصافاً من الاوضاع الراهنة. على الشيعي ان يعتبر قضية السني قضيته
ايضاً، والعكس صحيح.. وعلى العربي ان يعتبر قضية الكردي او التركماني او
الاشوري قضيته ايضا،ً والعكس صحيح. وعلى المسلم ان يعتبر قضية المسيحي او العلماني
قضيته ايضاً، والعكس صحيح. لا نقول ان ساحتنا تخلو من هذه الممارسات تماماً، لكن
غلبة الطابع الخاص في التمثيلية هو القاعدة والطابع الكلي هو الاستثناء. يجب قلب
هذه الممارسة ان اردنا رسم صورة افضل لمستقبلنا وان كنا صادقين في شعاراتنا
واهدافنا. فهناك جانب رئيسي وهو ان القائد السياسي العراقي يجب ان يمثل هموم
وقضايا العراقيين وليس هموم وقضايا طوائف او فئات محددة فقط. ان انجز الجانب الاول
من مهمته فانه سيكون اقدر على انجاز الجانب الثاني من واجباته. فان لم يتحقق الامر
الثاني فان الامر الاخر سيحاصر ويعزل ويضغط عليه ليفقد مصادر قوته الحقيقية. فالذي
لا يحسن صياغة رؤى الاتحاد وروابط التساند كلما سنحت له الظروف لن يحصل على
التضامن والتأييد والمشاركة عندما يصبح ذلك ضرورة. هذا الكلام لا يخص الاكراد فقط،
بل يخص كل القيادات العراقية الاسلامية والقومية والعلمانية. فمسألة البديل في
مستقبل البلاد وانظمتها ورجالاتها هي ليست تغيير شخص باشخاص وشعار بشعارات.. بل
تبديل روحية وتربية وسلوك وقيم بما يقابلها. فاذا لم يؤسس للقيم الجديدة في رحم
الاوضاع الصعبة والمعقدة الحالية فان افاق طرح الحلول الاكيدة والثابتة
والمستقبلية ستبقى موضع شك وتساؤل.
-
رغم اختلاف
الاوضاع التي تعيشها القوى الكردية والقوى الاسلامية لكن هناك مشترك معين يلمسه
الجميع وهو ان هذه القوى تتحكم اليوم بقدرات ميدانية متميزة. نعتقد ان على هذه
القوى ان تكون قدوة لكل القوى العراقية الاخرى في منح الاخرين جزءاً من نقاشاتها
وقراراتها ليس مجاملة ولا منة بل مسؤولية وواجباً لبناء علاقات متوازنة ومترابطة
واكيدة. لا نقصد بهذا الكلام التشاور فقط، بل نصر ونؤكد على اهمية توفير اليات
الاشتراك بصياغة مشاريع المستقبل وبحيثيات قرارات الحاضر.. هناك بعض الممارسات
التي تشكل قاعدة لهذا السلوك كالجبهة الكردستانية او كاللقاءات المعمقة بين
القيادات الكردية والاسلامية وان الواجب يتطلب تعميق هذه الاتجاهات وتوسيعها عدداً
ومضموناً وتنوعاً واشراك الاخرين بكل من تعنيه المشاركة من متطلبات.
-
تمتلك القوى
العراقية اليوم مجالات اعلامية وتثقيفية منتشرة وكبيرة. ونرى اهمية ان تخصص القوى
الجادة مساحات مهمة من وسائلها تلك للقوى والممثليات الاخرى. لا نقصد بذلك
الممارسة المتبعة الان بطلب تأييد او تعليق الاخرين على قضايا تخص سياسة الصحيفة
او وسيلة الاعلام على ما في ذلك من اهمية.. بل ايضاً مساحات تخصص لبناء الاجتماع
الذي تجد فيه كل قوى شعبنا حقوقها ومطالبها والتي تشكل بمجملها القاعدة التي يجب
ان يقوم عليها التاسيس الجديد لتأتي الدولة كتتويج لهذه الجهود ولتستكملها وتعززها
لا لكي تتآمر عليها في دورة جديدة من الاستنزاف والتجارب الفاشلة.
-
في الختام
نحي القائدين الكبيرين الاستاذ جلال الطالباني والاستاذ مسعود البرزاني ونحيي
الحزبين الرئيسيين على انجازهما التاريخي الذي هو رصيد ليس للاكراد بل لكل الشعب
العراقي، كما نحي بقية الاحزاب الكردستانية الوطنية والاسلامية. ونحي تجربة
كردستان الباسلة البطلة وشعبها العظيم. ونحي اجواء الاتفاقات ونبذ نهج التنازع
والاقتتال. ونحي الاجواء الديمقراطية التي تعيشها المنطقة. ونحيي الجهود المبذولة
لصياغة نظرات المستقبل بما في ذلك فكرة الفيدرالية في اطار العراق الموحد.. ونقول
للذين يقولون بان كردستان تحميها الطائرات الامريكية، او ان كردستان العوبة بيد
القوى الخارجية او السلطات المحلية، بان هذا الكلام يشبه الكلام الفارغ عن ان
الامة العربية قد حماها البريطانيون. ان كردستان قد حمتها عبر القرون تضحيات
ابنائها، وان على الاخرين ان يفهموا ان كردستان هي اولاً قوة بذاتها قبل ان تكون
قوة بغيرها. وان كردستان نفسها هي اولاً وقبل كل شيء قانون محلي واقليمي يحمل
عاملاً مهماً من عوامل قوة المنطقة ان حسب حسابه ويعمل على اضعافها عند اهماله
وتغافله والتآمر عليه. وان الكرد وكردستان ليسوا مجرد ورقة تتلاعب بها القوى
المحلية او الخارجية، بل قضية شعبنا وامتنا.
واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين